
كان يفترض أن يكون فيلم محارب الصحراء (Desert Warrior) بطاقة دخول السعودية إلى عالم الإنتاج السينمائي الضخم، فيلم تاريخي ملحمي، صُوّر في الصحراء العربية، بميزانية تقدر بنحو 150 مليون دولار، وبأسماء عالمية مثل أنتوني ماكي وبن كينغسلي وشارلتو كوبلي، ومن إخراج روبرت وايت، مخرج فيلم Rise of the Planet of the Apes.
لكن ما حدث في شباك التذاكر كان أقرب إلى الانهيار. الفيلم الذي أراد أن يظهر كـ”ملحمة سعودية” قادرة على مخاطبة الجمهور العالمي، افتتح في أميركا الشمالية بإيرادات كارثية بلغت نحو 487,848 دولارًا من أكثر من ألف شاشة، بمتوسط لا يتجاوز 483 دولارًا للشاشة الواحدة، ليصبح مرشحًا لأن يُذكر ضمن أكبر إخفاقات شباك التذاكر في التاريخ الحديث.
هذه ليست مجرد خسارة فيلم. إنها ضربة رمزية لطموح سعودي أوسع في بناء صناعة سينما عالمية، وضربة أكثر إيلامًا لفكرة أن المال وحده يستطيع شراء “هوليوود” في الصحراء.
قصة أميرة ومحاربين
تدور قصة Desert Warrior حول أميرة تهرب إلى الصحراء العربية بعد أن يطاردها مرتزقة، ثم تتحول إلى محاربة بمساعدة قاطع طريق أسطوري يؤدي دوره أنتوني ماكي، وتوحد قبائل متحاربة في معركة أخيرة يفترض أن تغير مجرى التاريخ.
على الورق، تبدو الوصفة مثالية لفيلم ملحمي: صحراء، أميرة، قبائل، خيانة، مطاردات، محارب أسطوري، ومعركة كبرى. لكن السينما لا تعيش بالوصفة وحدها، الجمهور لا يدفع ثمن الملصق ولا الميزانية، بل يدفع ثمن الحكاية والإيقاع والشخصيات والتجربة.
وهنا انهار الفيلم. فبدل أن يتحول إلى “لورنس العرب” بنسخة سعودية حديثة، بدا في نظر كثير من النقاد عملًا ضخمًا بلا روح، ومشروعًا يريد صناعة ملحمة قبل أن يمتلك نصًا قادرًا على حملها.
150 مليون دولار مقابل افتتاح مخجل
الأرقام وحدها كافية لتلخيص الكارثة. فيلم بميزانية تدور حول 150 مليون دولار يفتتح بأقل من نصف مليون دولار في أميركا الشمالية، هذا يعني أن الفيلم لم يفشل فقط في جذب الجمهور، بل فشل في أن يثير الفضول أصلًا.
موقع SlashFilm وصف الافتتاح بأنه من أسوأ افتتاحات شباك التذاكر على الإطلاق، مشيرًا إلى أن الفيلم حقق 487,848 دولارًا من أكثر من ألف شاشة، وأنه قد يصبح، وفق مسار الإيرادات الحالي، واحدًا من أكبر القنابل التجارية في تاريخ السينما.
وللمقارنة، حتى الأفلام السيئة ذات الحملات التسويقية الضعيفة قد تحقق ملايين قليلة في افتتاحها إذا ضمت اسمًا معروفًا أو نوعًا جماهيريًا واضحًا، أما هنا، فالفيلم يملك نجمًا من عالم مارفل، وميزانية هائلة، وطموحًا سياسيًا وثقافيًا، ثم ينتهي إلى متوسط شاشة لا يكفي أحيانًا لتغطية تكاليف عرض يوم واحد في بعض الصالات.
تقييمات قاسية: 27% على Rotten Tomatoes و1.9 على IMDb
لم يكن الجمهور وحده باردًا تجاه الفيلم. النقد أيضًا لم يرحمه، صفحة الفيلم على Rotten Tomatoes تظهر تقييمًا نقديًا ضعيفًا يدور حول 27%، بينما تشير تقارير إلى أن تقييمه على IMDb بلغ 1.9 من 10، وهي درجة شديدة القسوة لأي فيلم، فما بالك بفيلم أنفق عليه هذا الحجم من المال.
مشكلة هذه التقييمات أنها لا تؤثر في السمعة فقط، بل تقتل فرص النجاة، في زمن السوشيال ميديا ومنصات التقييم، قد يستطيع فيلم كبير افتتاحًا قويًا رغم مراجعات ضعيفة إذا كان يملك قاعدة جماهيرية ضخمة.
لكن Desert Warrior لم يملك جمهورًا جاهزًا، ولم يملك موجة حماس، ثم جاءت المراجعات لتؤكد الانطباع الأسوأ، فيلم ضخم، متأخر، مرتبك، وفاقد للهوية.
ست سنوات من التأجيل والفوضى
لم يولد الفشل في عطلة نهاية الأسبوع الافتتاحية فقط، الفيلم حمل أزمته منذ سنوات، فقد استغرق إنتاجه نحو ست سنوات بسبب تأجيلات وخلافات وإعادة مونتاج ومشكلات ما بعد الإنتاج.
تقرير Deadline في 2024 كشف أن الفيلم كان عالقًا في مرحلة طويلة من التأخير، وأن المخرج روبرت وايت خرج من المشروع ثم عاد إليه وسط خلافات إبداعية، بينما لم يكن هناك في ذلك الوقت نسخة نهائية مستقرة من الفيلم.
وفي مقابلة لاحقة مع Variety، قال وايت إنه “أُبعد لفترة طويلة”، وإن الفيلم أُعيد مونتاجه من دون مشاركته، في إشارة إلى اضطرابات عميقة خلف الكواليس.
هذه التفاصيل مهمة لأن الأفلام الكبرى لا تسقط عادة في لحظة واحدة، الفشل التجاري غالبًا يبدأ في غرفة الكتابة، ثم يكبر في موقع التصوير، ثم يتضخم في المونتاج، ثم يظهر أخيرًا في شباك التذاكر كجثة باردة.
السعودية أرادت “هوليوود الصحراء”
أهمية Desert Warrior لا تأتي من كونه فيلمًا واحدًا فقط، بل من كونه جزءًا من طموح سعودي كبير لبناء صناعة سينمائية وترفيهية عالمية.
السعودية أعادت فتح دور السينما عام 2018 بعد حظر طويل، ثم بدأت تضخ استثمارات ضخمة في الترفيه، المهرجانات، الإنتاج، واستقطاب النجوم العالميين.
وكان Desert Warrior يفترض أن يكون نموذجًا واضحًا: فيلم دولي، بميزانية ضخمة، يصوّر في السعودية، ويستعين بممثلين عالميين، ويقدم الصحراء العربية لا كموقع تصوير ثانوي، بل كقلب الحكاية.
لكن المشكلة أن بناء صناعة سينمائية لا يتحقق بمجرد إحضار ممثل من مارفل، ومخرج معروف، وكاميرات ضخمة إلى الصحراء، السينما صناعة ثقافية قبل أن تكون إنفاقًا ماليًا. تحتاج كتّابًا، منتجين، خبرة تنفيذية، إدارة مخاطر، تسويقًا ذكيًا، وفهمًا للجمهور العالمي.
مشكلة ارتفاع تكلفة الإنتاج السينمائي في السعودية
الفيلم مدعوم من السعودية عبر MBC Studios وشركاء إنتاج، وكان من أكثر المشاريع طموحًا في مسار الإنتاج السعودي الحديث، وتشير بيانات متداولة إلى أنه أصبح من أغلى الأفلام المنتجة في السعودية، إن لم يكن الأغلى، بميزانية تقدر بنحو 150 مليون دولار.
وقد كشف تقرير سابق لـBusiness Insider عن طموحات السعودية في التلفزيون والسينما مضيفا أن مشاريع MBC Studios الكبرى واجهت تحديات كبيرة، منها تأخيرات وتجاوزات في الميزانية ومشاكل تنظيمية، وأن Desert Warrior نفسه كان قد تضاعفت ميزانيته تقريبًا مقارنة بالتصورات الأولى، بسبب ظروف التصوير والبنية التحتية وتكاليف استقدام الطواقم والنجوم.
ومن المتوقع أن تستمر التكاليف المرتفعة للإنتاجات التالية إلى أن تتوفر لدى المملكة صناعة سينمائية عالمية حينها ستتراجع التكاليف وسيكون بإمكانها إنتاج عشرات الأفلام التجارية سنويا.
عندما يصبح الفيلم مشروعًا سياسيًا أكثر منه فنيًا
جزء من مشكلة Desert Warrior أن سقف التوقعات كان أكبر من الفيلم نفسه، لم يُنظر إليه كعمل ترفيهي فقط، بل كإعلان عن دخول السعودية إلى سينما الميزانيات الكبرى. وعندما يتحول الفيلم إلى رمز وطني أو سياسي أو صناعي، يصبح فشله مضاعفًا.
الجمهور العالمي لا يهتم كثيرًا بكون الفيلم جزءًا من رؤية اقتصادية أو مشروع تنويع أو دعاية لصناعة ناشئة، الجمهور يريد فيلمًا جيدًا، إذا كان العمل ممتعًا سيأتي الناس، وإذا كان مملًا أو مرتبكًا، لن تنقذه الخلفية السياسية ولا الميزانية ولا الطموح.
وهنا قد يكون الدرس الأهم للسعودية إذ أن صناعة السينما لا تُبنى بالشعار، حيث يمكن شراء المعدات، بناء الاستوديوهات، استقدام النجوم، تمويل المهرجانات، وإبرام الشراكات، لكن لا يمكن شراء الذوق العام بسهولة، الجمهور لا يصوت للخطط الحكومية، بل للتجربة التي يعيشها في ساعتين داخل قاعة مظلمة.
