
من المعلوم أن يوتيوب يدفع مقابل المشاهدات، وكل ما عليك هو انشاء قناة ورفع المحتوى بشكل منتظم وعندما تحقق الشروط الأساسية تظهر الإعلانات وتبدأ في كسب المال.
كان النمو على يوتيوب أمراً سهلاً نسبياً، حيث ترفع فيديوهات بانتظام، تتبع الترندات الساخنة، وتطارد المشاهدات بكل الطرق الممكنة.
مشكلة انشاء المحتوى على يوتيوب
هذه الصيغة كانت تنجح مع الكثيرين، وكان الدخل يأتي بشكل منطقي مقابل عدد المشاهدات، لكن الآن يتغير هذا مع تطور جودة مقاطع الفيديو ودخول الذكاء الإصطناعي على الخط.
يشعر معظم المنشئين بالإحباط حاليا، إذ يصنعون محتوى أفضل من أي وقت مضى، صور مصغرة احترافية، مونتاج سريع، نصوص مكتوبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك تبقى القنوات عالقة.
والواقع هو أن المشاهدات ترتفع فجأة ثم تختفي، وقت المشاهدة ينخفض، والدخل من الإعلانات يصبح غير متوقع تماماً، المشكلة ليست أن يوتيوب “معطل” أو أن الخوارزمية تكرهك شخصياً.
المشكلة أن اللعبة تغيرت تماماً وتغيرت بهدوء شديد، ما كان يعمل بالأمس لم يعد يعمل اليوم وهذه سنوات صعبة للغاية بسبب كثرة التغييرات التي تشهدها مختلف المنصات وليس فقط يوتيوب.
الذكاء الإصطناعي غير يوتيوب للأبد
نعيش الآن في عصر يمكن فيه إنتاج محتوى كامل – نص، صوت، صورة، مونتاج، وحتى قناة بأكملها – في دقائق معدودة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
نتيجة ذلك؟ فيضان هائل من الفيديوهات المصقولة والسريعة الإنتاج، تتنافس جميعها على نفس الثواني القليلة من انتباه المشاهد.
المحتوى لم يعد نادراً… بل أصبح مربكاً ومفرطاً في الكمية.
وفي هذا الواقع الجديد، لم يعد النجاح يعتمد على “الكمية” أو حتى على الجودة التقنية وحدها.
النجاح سيعتمد على أمرين أساسيين لا يستطيع الذكاء الاصطناعي تقليدهما بصدق: فهم نفسية الإنسان وفن السرد القصصي.
نفسية الإنسان هي التي تولد المال
الاعتقاد الشائع أن الدخل من يوتيوب يتناسب طردياً مع عدد المشاهدات. هذا كان صحيحاً في السابق، لكنه لم يعد كذلك اليوم.
الخوارزمية في 2025-2026 أصبحت أذكى بكثير. هي لا تبحث عن “مشاهدات خام”، بل عن إشارات نفسية حقيقية من المشاهد:
- وقت المشاهدة الفعلي (Watch Time)
- مدة الجلسة الكلية على المنصة (Session Duration)
- التفاعل العاطفي (Emotional Engagement)
- معدل الاحتفاظ بالمشاهد (Retention Rate)
- عودة نفس المشاهدين مراراً (Return Viewers)
بمعنى آخر: يوتيوب يريد أن يبقي الناس على المنصة أطول فترة ممكنة، لأن ذلك يعني إعلانات أكثر وإيرادات أعلى.
المشاهد لا ينقر على فيديو لمجرد وجوده… ينقر لأن شيئاً ما داخل نفسه “انطلق”: فضول، خوف من الفوات، رغبة في التغيير، تعاطف مع مشكلة، أو شعور بالانتماء.
المنشئون الناجحون في 2026 هم من يصممون المحتوى حول هذه الأسئلة النفسية: “لماذا يجب على هذا الإنسان أن يهتم الآن؟” “ما الذي يجعله يشعر بالارتباط العاطفي؟”.
الذكاء الاصطناعي يمكنه كتابة نص، لكنه لا يشعر بالحيرة، الطموح، القلق أو الأمل.
القنوات الصغيرة التي ترفع فيديوهات أقل، لكنها تفهم حوار الجمهور الداخلي، غالباً ما تفوق القنوات الضخمة المصنوعة آلياً.
السرد القصصي: السلاح الوحيد الذي لا يُهزم
في عصر الذكاء الاصطناعي، المعلومة أصبحت رخيصة جداً.
أي شخص يمكنه شرح “كيف تفعل شيئاً”، لكن قلة قليلة تستطيع أن تجعلك تشعر لماذا يهمك الأمر أصلاً.
القصة تعمل لأن دماغ الإنسان مصمم عليها، عندما تسمع قصة، ينشط التعاطف، الانتباه، والذاكرة في وقت واحد، هذا هو السبب في أن المشاهد يبقى أطول عندما يشعر أن الفيديو “رحلة” وليس محاضرة.
السرد القصصي الفعال لا يحتاج إلى دراما مبالغ فيها. يكفي هيكل بسيط:
- نقطة بداية يتعرف عليها الجمهور
- توتر أو مشكلة حقيقية
- تحول أو اكتشاف
- نهاية تبدو مكتسبة ومستحقة
بدلاً من: “إليك خمس نصائح لزيادة المشاهدات على يوتيوب”، جرب: “الخطأ الخفي الذي يقتل معظم القنوات… وكيف اكتشفته بعد خسارة 40 ألف مشترك”.
المشاهد لا يشاهد ليجمع معلومات فقط… يشاهد ليشعر أنه مفهوم، متغير، أو أقل وحدة.
لماذا لن يدفع يوتيوب “مقابل المشاهدات”؟
لأن المشاهدات وحدها لم تعد كافية للمنصة، مليون مشاهدة ليس لها قيمة حقيقية إن لم تبقي هؤلاء في مقاطع الفيديو لأطول مدة ممكنة حينها يرتفع العائد من المشاهدات.
لهذا السبب تجد فيديو حقق مليون مشاهدة لكنه لم يجلب لك سوى 20 دولار، بينما غيرك في نفس المجال وبنفس اللغة حقق من الفيديو نفسه 3000 دولار.
مع انتشار المحتوى الآلي الرخيص، انخفضت قيمة المشاهدة الواحدة، الإعلانات تحتاج إلى جمهور يبقى، يتفاعل، ويعود، يوتيوب (ومعلنوه) يدفعون مقابل التجربة، لا مقابل العدد.
المحتوى الذي يولد تجربة عاطفية أو قيمة نفسية عميقة هو الذي سيحصل على التوصيات، الاحتفاظ، والدخل المستدام.
