وصفة مصرية لجعل الجزائر واقعية وشريكة المغرب

عاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من زيارته إلى مصر بخفي حنين، بعد اكتشافه أن القاهرة تغيرت إذ لم تعد تدعم البوليساريو وقد تحررت من أفكار اليساريين والإسلاميين الذين لا يحترفون سوى دغدغة مشاعر الشعوب العربية.

وهكذا لجأت الصحف الجزائرية إلى الهجوم على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقد ذهبت صحيفة لاجون أنديبوندنت إلى حد المطالبة بمراجعة العلاقة مع القاهرة، فيما نشرت يومية ليبيرتي افتتاحيتها بعنوان “غدر السيسي”.

مصر والجزائر بين الماضي والحاضر:

خلال أيام جمال عبد الناصر، كانت مصر والجزائر في نفس التيار اليساري العربي الموالي للإتحاد السوفياتي، وكان هذا المعسكر عربيا قد واجه مشاكل الملكيات خصوصا المغرب والسعودية.

في تلك الحقبة من التاريخ دعمت مصر البوليساريو وشاركت عسكريا في بعض الحروب بين المغرب والجزائر، خصوصا في حرب الرمال 1963، والتي اعتقل فيها محمد حسني مبارك ضمن ضباط الجيش المصري.

غير أن مصر استفاقت سريعا من هذه الشعارات والحروب التي دخلت إليها في اليمن 1962 وبدعم الجزائر ضد المغرب 1963 ونكسة 1967، والتي دمرت اقتصاد مصر وأنهت قوة الجنيه المصري.

في الوقت الحالي تركز مصر على التنمية الإقتصادية وهي تطمح لتصبح واحدة من الدول الأسرع نموا في العالم، وقد اتبعت إصلاحات صندوق النقد الدولي وحققت مكاسب رغم أن الإصلاح كان مؤلما وهذه هي طبيعته، في المقابل لا تزال الجزائر على عهدها القديم، ولولا أنها تصدر الغاز والنفط وتحقق مكاسب جيدة لكان حالها أسوأ من العراق وسوريا.

تريد مصر انهاء الصراع العربي الإسرائيلي، وهي تدعم حل الدولتين ورفع الحصار عن غزة وتحقيق التنمية الحقيقية هناك وهي تشارك بالوقت الحالي في بناء مدينة بهذا القطاع، ما يجعلها في قلب التسوية التي تتطلب الصلح بين كل الأطراف المتنازعة في المنطقة بما فيها إسرائيل وايران وتركيا.

أما الجزائر فهي ترفض هذه العملية، وتستغل تطبيع المغرب مع إسرائيل في عملية شراء الوقت للسيطرة على الحراك الشعبي ومنع قيام ثورة تطيح بحكام الجزائر.

عصر المصالح الإقتصادية أولا

يبدو التوجه المصري المختلف عن الجزائر واضحا في العلاقة مع المغرب، حيث تعد مصر واحدة من الدول التي ترتبط باتفاق التبادل التجاري الحر مع المغرب والأردن وتونس في اتفاق اكادير 2004 والذي انضمت إليه لاحقا لبنان وفلسطين.

وعلى مدار العقدين الماضيين ظلت مصر والمغرب وتونس أبرز المتنافسين تجاريا وسياحيا في المنطقة، بينما تتمتع الجزائر بثاني أكبر اقتصاد بعد مصر في شمال أفريقيا بفضل الغاز والنفط، مع التأكيد على أنه انكمش بشكل واضح في السنوات الأخيرة لدرجة أن اقتصاد المغرب في طريقه ليتفوق عليه من حيث الحجم، ونتحدث عن 145 مليار دولار مقابل 112 مليار دولار في عام 2021.

تدافع القاهرة عن نظرة واقعية براغماتية، تقوم على زيادة التبادل التجاري مع مختلف الدول العربية والإقليمية بما فيها المغرب والجزائر، وهي لن تقاطع أي منهما لصالح الأخرى لأن ذلك ليس في صالحها.

في المقابل ذهبت الجزائر إلى قطع العلاقات الدبلوماسية وإيقاف رحلات الطيران بين البلدين في ضرب واضح للمصالح الإقتصادية بين البلدين.

نظرية الجزائر السخيفة وغير الواقعية

تقول الجزائر أن مواقفها الشجاعة في القضية الفلسطينية ومشكلة الصحراء المغربية يعبر عن وفاء كبير منها لتاريخها في الحرب ضد الاحتلال الفرنسي، وبينما نتفق جميعا على أن الشعب الفلسطيني يستحق حياة أفضل ووطن مستقلا وذات سيادة، تدعم الجزائر انفصال الصحراء عن المغرب، مؤكدة على أنها مع حرية الشعوب.

إن كان صحيحا ذلك فلماذا لا تقبل باستقلال شعب القبائل؟ لماذا لا تطلب من تركيا وسوريا والعراق وايران منح الأكراد الإستقلال؟ ولماذا لا تدافع عن أقليات ومجموعات انفصالية إلا في المغرب؟

تعارض الجزائر التطبيع مع إسرائيل، فلماذا أبقت علاقتها قائمة مع مصر والأردن والبحرين والإمارات والسودان؟ وهل تتصرف بنفس العدوانية إذا اعادت تونس وموريتانيا علاقاتها مع إسرائيل؟

تبدو نظرية الجزائر سخيفة ويؤكد قادتها ومواقفها المتناقضة هو أكبر دليل على أن مشكلتها الحقيقية هي مع نمو المغرب واستقلاليته، ولا تخفي بالطبع أنه كونها أكبر دولة في المغرب الكبير ينبغي أن تحافظ على تفوقها العسكري والإقتصادي، لكن ما هكذا تورد الإبل.

يمكن للجزائر أن تحقق الرخاء وتصبح دولة ناجحة دون الحاجة إلى التآمر على الوحدة الترابية للمغرب، الإعتراف بمغربية الصحراء والتخلي عن الشعارات الفارغة وبناء شراكة اقتصادية والإنفتاح على عالمنا الجديد، هو الطريق الوحيد لتتحرر الجزائر من آلامها وتخرج من عزلتها وتشارك في التسوية الشاملة.

تعد مصر نموذجا حيا يمكن للجزائر أن تتعلم منها كيف تنتقل من المراهقة السياسية اليسارية إلى النضج الواقعي الإقتصادي وتصبح شريكا للمغرب.

إقرأ أيضا:

قطر أم المغرب: من سيستفيد من حرب أوكرانيا وروسيا أكثر؟

شراكة المغرب وألمانيا قوامها الإقتصاد واحترام مغربية الصحراء

رئاسة فرنسا للإتحاد الأوروبي فرصة لإعادة بناء الشراكة مع المغرب

هل الجزائر دولة اشتراكية أم رأسمالية؟