في عام 2024، أصدرت حكومة جرينلاند (Naalakkersuisut) وثيقة سياسية تأسيسية بعنوان: «جرينلاند في العالم.. لا شيء عنا، بدوننا».
هذه الوثيقة لا تمثل بيانًا دبلوماسيًا عابرًا، بل تُعد خريطة استراتيجية حتى عام 2033، تحدد من خلالها العاصمة نوك رؤيتها لمكانة جرينلاند في قطب شمالي بات أكثر ازدحامًا وتنافسًا وتعقيدًا.
الإطار الذي افتتحت به الوثيقة يحمل دلالة عميقة:
«تقوم جميع العلاقات على فرضية أن جرينلاند وشعبها يشكلان شعبًا وأمة مستقلة».
بهذه العبارة، تعلن نوك أن مسألة الإستقلال ليست حلمًا مستقبليًا غامضًا، بل نقطة انطلاق في صياغة سياساتها الدفاعية والأمنية والخارجية.
طريق استقلال جرينلاند عن الدنمارك
يستند مسار استقلال جرينلاند عن الدنمارك إلى قانون الحكم الذاتي لعام 2009، الذي منح جرينلاند صلاحيات أوسع، لكنه أبقى مجالات حيوية أبرزها السياسة الخارجية والدفاع تحت سيطرة كوبنهاغن.
الوثيقة تؤكد أن تحقيق استقلال كامل يتطلب أولًا بناء اقتصاد قادر على الاستدامة ولهذا، تسعى جرينلاند إلى:
- إقامة علاقات تجارية مباشرة مع أمريكا الشمالية وآسيا.
- تنويع الروابط الاقتصادية التقليدية مع الدنمارك.
- جذب استثمارات أجنبية في قطاعات الموارد الطبيعية والطاقة والسياحة والنقل البحري.
لكن الطريق ليس بسيطًا، فالقانون ذاته يتضمن قيودًا عملية، إذ يتطلب أي استفتاء على الاستقلال موافقة البرلمان الدنماركي، وهو شرط يضع مستقبل السيادة في معادلة سياسية معقدة.
ويُشكّل مسار جرينلاند نحو الاستقلال التام (كما نصّ عليه قانون الحكم الذاتي لغرينلاند لعام 2009) جوهر هذه الوثيقة السياسية.
العلاقة الأمريكية الجرينلاندية
تصف نوك الولايات المتحدة بأنها «أحد أقرب حلفاء جرينلاند»، مشيرة إلى دعمها للوجود العسكري الأمريكي خلال الثمانين عامًا الماضية، ومؤكدة أن واشنطن «المدافع الفعلي عن جرينلاند في حال نشوب نزاع عسكري».
الأهمية الاستراتيجية للجزيرة تعود إلى حقبة الحرب الباردة، حين شكّلت خط دفاع رئيسيًا ضد الاتحاد السوفييتي.
واليوم، لا تزال أهميتها قائمة؛ فالمسارات الجوية للصواريخ العابرة للقارات تمر فوق جرينلاند، ما يجعلها عنصرًا أساسيًا في منظومة الدفاع الأمريكية.
قاعدة بيتوفيك الفضائية تمثل حجر الزاوية في هذا الوجود، بينما تُطرح أفكار أوسع حول تعزيز البنية الدفاعية في المنطقة القطبية.
ويتطلب بناء اقتصاد مكتفٍ ذاتيًا إقامة روابط تجارية مباشرة مع أمريكا الشمالية وآسيا، بالإضافة إلى تنويع علاقاتها الاقتصادية القائمة مع الدنمارك.
وتنظر جرينلاند إلى الولايات المتحدة الأمريكية ببساطة في الوثيقة إلى أنها أقرب لها من الدنمارك التي لن تستطيع الدفاع عنها في مواجهة القوى الإستعمارية وعلى رأسها روسيا.
توتر العلاقات الدنماركية الجرينلاندية
في خضمّ دفاعها عن الدنمارك، تجاهلت أوروبا إلى حد كبير سعي جرينلاند الطويل الأمد للاستقلال عن الدنمارك، ليصبح هذا المسعى مجرد هامش في هذه الأزمة القطبية المعاصرة.
ويواصل القادة الأوروبيون التعهد بدعم جرينلاند، لكنهم غالباً ما يبررون ذلك بالإعتراف بـ”قدسية” “السيادة الدنماركية”. ورغم صحة هذا التبرير من الناحية الفنية، إلا أنه يتجاهل نقطة توتر خطيرة في العلاقات الدنماركية الجرينلاندية.
إن اهتمام ترامب بغرينلاند يُسهّل في جوهره كشف خبايا العلاقات الدنماركية، فجرينلاند وإن لم تعد مستعمرة دنماركية بالاسم، إلا أنها كذلك بحكم طبيعتها.
فما زالت كوبنهاغن تُسيطر على زمام الأمور المالية وتُقرر شؤون جرينلاند في مجالي الشؤون الخارجية والدفاع، حتى قانون 2009، الذي يُفترض أنه يمهد الطريق لاستقلال جرينلاند عبر زيادة استقلالها الذاتي عن الدنمارك، يتضمن بنوداً دقيقة تحدّ من أثره العملي.
إذ يتطلب أي استفتاء جرينلاندي على الاستقلال موافقة البرلمان الدنماركي، وبالنظر إلى أن جرينلاند تشكل 95 في المائة من إجمالي مساحة أراضي مملكة الدنمارك، وتحتوي على ثروات إقليمية كبيرة، فمن غير المتصور أن تقوم كوبنهاغن بالتخلي عنها طواعية.
ويمكنك الإطلاع على الوثيقة التي نشرتها حكومة جرينلاند من هنا والتي تؤكد سعي هذه الجزيرة للإستقلال عن الدنمارك وهو ما تحتاجه الولايات المتحدة لضمها.

