
في أزقة شنغهاي المزدحمة، حيث يتدفق الناس كالأنهار المتدفقة نحو أحلامهم، تقف “كيكي”، الثلاثينية النحيلة، أمام منزل قديم تم تجديده في ضواحي هانغتشو.
ليس هذا المنزل مجرد مأوى؛ إنه حصن من الضجيج الذكوري، مكان يدفع فيه النساء ما بين 30 إلى 80 يواناً (حوالي 4 إلى 11 دولاراً أمريكياً) لليلة واحدة فقط ليتمتعن بحرية بسيطة: الجلوس حافيات القدمين، اللعب بالألعاب اللوحية، أو حتى عدم ارتداء حمالة الصدر دون خوف من نظرة جانبية.
النسوية الصينية
تقول تشين فانغيان، البالغة من العمر 28 عاماً: “عدم إجباري على ارتداء حمالة الصدر هو بحد ذاته نوع من الحرية”، وهي تبتسم بتلك الابتسامة التي تخفي سنوات من الإرهاق اليومي.
هذه ليست قصة خيالية من رواية نسوية، بل واقع ملموس تعيشه آلاف النساء الصينيات في 2025، ظاهرة “المساحات النسائية فقط”، سواء كانت شققاً مشتركة، صالات رياضة، حانات، أو حتى عربات مترو مخصصة تكتسب زخماً هائلاً في ثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان.
ليست هذه النساء ضحايا يبحثن عن الشفقة؛ هن نساء مستقلات مالياً، مثقفات، ومرهقات من ضغوط اجتماعية تُلقى عليهن كالكتل الثقيلة: “متى ستتزوجين؟”، “ألا تريدين أطفالاً؟”، “هل تخافين الوحدة في الشيخوخة؟”.
في بلد يُسجل فيه عدد الزيجات انخفاضاً بنسبة 20% في 2024 ليصل إلى أدنى مستوى تاريخي، يبدو أن النساء يخترن الآن إعادة تعريف سعادتهن، وأحياناً… خلف باب مغلق على الرجال.
ما هي مشكلة نساء الصين؟
في الصين، حيث يُعتبر الزواج ركناً أساسياً من أركان الحياة الاجتماعية، أصبحت النساء فوق الـ27 عاماً يُلقبن بـ”النساء المتبقيات” – مصطلح رسمي يُستخدم في حملات حكومية لتشجيع الزواج.
لكن الأرقام تروي قصة مختلفة تماماً، في 2022، انخفض معدل الزواج إلى 4.8 زيجة جديدة لكل ألف شخص، مقارنة بأكثر من 9 في العقد السابق.
وفي المدن الكبرى مثل بكين وشنغهاي، ارتفعت نسبة النساء بين 25 و29 عاماً غير المتزوجات إلى 40.6% في 2020، مقارنة بـ8.6% فقط في عام 2000.
هذا الانخفاض ليس مصادفة إنه رد فعل على ضغوط عائلية لا ترحم، حيث تطالب العائلات بناتهن بالزواج والإنجاب وهو أمر مهين في ظل ارتفاع الوعي لدى الشباب.
وفقاً لتقرير من مكتب الإحصاءات الوطني الصيني، بلغ عدد الأعزب فوق 15 عاماً 239 مليون نسمة في 2021، ومعظمهن نساء يرفضن الاستسلام لهذه الضغوط.
ومع ارتفاع معدلات الطلاق – التي زادت بنسبة 4.5% في النصف الأول من 2025 مقارنة بالعام السابق – أصبح الزواج ليس حلاً بل عبئاً إضافياً، في مثل هذا السياق، يصبح العيش في مساحة نسائية ليس ترفاً، بل ضرورة نفسية.
الاستقلال المالي هو المفتاح المالي لدى النساء
لم تعد نساء الصين يعتمدن على الرجال بل إنهن يدفعن المال ليحققن السلام، كما أن عدد متزايد منهن يرفضن العيش مع الرجال.
في 2023، بلغت مشاركة النساء في قوة العمل 68%، أعلى من المتوسط العالمي، وفقاً لتقرير منظمة الأمم المتحدة السكانية.
وفي استطلاع أجرتها شركة صن لايف في 2025، أفادت 65% من النساء في آسيا – بما في ذلك الصين – بتحسن أمنهن المالي مقارنة بأجيال سابقة.
أكثر من ذلك، يشكلن أكثر من نصف رواد الأعمال الرقميين في المناطق الريفية، حيث يمنح العمل عبر الإنترنت استقلالية مالية حقيقية.
في تطبيق “شياو هونغ شو” (المعروف بـRednote)، الذي يضم 60% من مستخدميه نساء، تتشارك النساء قصصهن عن هذه المساحات، مما يعزز الطلب.
وفي قطاع اللياقة البدنية، يشكلن 60% من مستخدمي التطبيقات، و89% من مشتريات المنتجات الرياضية على منصة JD.com.
هذا الاستقلال يتيح لهن دفع رسوم عضوية تصل إلى 3980 يوان (حوالي 550 دولاراً) لـ”مساحة هير” في قرية شيوشي بمقاطعة تشجيانغ، حيث انضمت 120 امرأة حتى الآن ليجدن “دفءاً” في أوقات الضيق.
في هذا الإطار تقول يانغ يون: “إذا فقدتِ وظيفتكِ، أو والديكِ، أو تشاجرتِ مع زوجكِ، أو تعبتِ من حياة المدينة، تعلمين أن هناك مكاناً ينتظركِ”، وهي تضيف: “وجوده وحده يمنح قوة نفسية”.
مساحات السلام النسائية: قصص من الداخل
أو تشين ياني، البالغة 30 عاماً، التي أسست “مساحة الخيال لكيكي” بعد تجاربها مع التحرش في بيئات عمل مختلطة. “واجهت درجات مختلفة من التحرش من الرجال، إلى درجة أنني غالباً ما وجدت نفسي غير قادرة على العمل بشكل طبيعي”.
تروي ياني. “بدأت أفكر في ما يبدو عليه بيئة عمل آمنة ومريحة… مكان لا أشعر فيه بالقلق”.
اليوم، يقع منزلها الريفي في لينآن، ضواحي هانغتشو على بعد 200 كيلومتر من شنغهاي، ويستقبل نساءً يدفعن 30 يواناً لليلة الأولى، ثم 80 يواناً للأيام اللاحقة. هناك، يلعبن بالألعاب، يصنعن البقايا المطهية، ويتحدثن عن “أمور حميمة” دون خوف.
في بكين، تُدير ليليث جيانغ “نصف السماء”، مساحة ثقافية نسائية فقط وهي تقول : “لدى الرجال فرص كثيرة للتواصل، سواء في الشرب أو الرياضة. النساء لا يملكن ذلك”، مضيفة أن هذه المساحات قد تكون حلاً طويل الأمد للنساء العازبات في الشيخوخة: “النساء يُقلن دائماً: ‘إذا لم تتزوجي، ماذا سيحدث لكِ عندما تكبرين؟’ لكن المعيشة المشتركة النسائية طويلة الأمد يمكن أن تكون حلاً”.
وفي المدن السياحية مثل تشينغدو ودالي، تنتشر الفنادق النسائية، وهناك تعيش ليو مي دي، طالبة جامعية، انتقلت إلى إيجار قصير نسائي في تشينغدو بعد اكتشافها لكاميرات مخفية في فندق عادي: “رأيت ضوءين أحمراً يومضان بجانب منفذ USB… شعرت بالقلق الشديد”.
أما تشين يينو، وهي طالبة من فوجيان، اختارت نزلاً نسائياً في دالي للتواصل: “تخيلت مكاناً مليئاً بالفتيات يتحدثن ويصبحن صديقات”.
