منطقيا فوائد البنوك حلال وليست حراما

هل فوائد البنوك حلال أم حرام؟ قبل سنوات كان هذا السؤال سهلا وواضحا بالنسبة لي، الفائدة البنكية هي الربا وهي محرمة تحريما واضحا.

لكن سنوات التضخم العالمي الأخيرة كانت فرصة بالنسبة لي لإعادة النظر في الفائدة البنكية واكتشاف قصور فهمنا للنظام النقدي والمالي بشكل عام.

حاليا يمكن القول أن الفائدة البنكية ليست حراما ولا ينطبق عليها مواصفات الربا، بل ويمكن القول أن الثقافة المالية الإسلامية ساهمت بدرجة مهمة في تأخر الدول الإسلامية ماليا واقتصاديا.

التحرر من ثقافة الفقر والطبقة المتوسطة حول المال

معظمنا عاش في أسر فقيرة أو متوسطة في أفضل الأحوال، والثقافة المالية في هذه الأسر قائمة على المغالطات والخرافات والتواكل والجهل.

في هذه البيئة تجد ثقافة القناعة وأن السعي لكسب المزيد طمع، الأغنياء يسرقون الفقراء، الحكومة عدوة الشعب وصديقة الأثرياء، القروض كلها سيئة.. والكثير من القواعد التي تعلمناها ويتضح يوما بعد يوم أنها أكاذيب.

ومن الأمور التي تعلمناها وأيضا عبر تجارب لأسرنا مع القروض البنكية، هي أن الفائدة البنكية حرام ومن يدخل لهذا الطريق سيهلك، رغم أن المشكلة ليست في القروض بل في طريقة صرفها ولأي هدف، ومعلوم أن الأسر الفقيرة والمتوسطة تقترض للإستهلاك ولتسديد ديون قديمة وهذا سلوك كارثي.

على العكس الأغنياء يقترضون لشراء العقارات والإستثمار وتوسيع أعمالهم التجارية الناجحة، لهذا يستفيدون من هذه الإمكانية ولا يجدون صعوبات في ذلك.

ولأننا في دول إسلامية يتم ربط الفشل في تسديد القروض مع العقاب الإلهي، وهكذا يؤكد هؤلاء أن الفائدة البنكية حرام ويجب الإبتعاد نهائيا عن الإقتراض.

ميزة الفائدة البنكية بالنسبة للمودع في البنك

الشخص الذي يضع أمواله في البنك ولا يحصل على أي فائدة بنكية، هو شخص يقدم قرضا مجانيا للبنك، بل تقتطع منه المؤسسة البنكية أتعاب إدارة المال الشهرية أو السنوية، وفي نفس الوقت تفقد أمواله قيمتها الحقيقية مع مرور الوقت.

ولا يهم عن كانت أمواله بالدولار أو الجنيه المصري أو الدرهم المغربي أو غيره من العملات، لأن هذه القاعدة تنطبق على كافة العملات النقدية.

ولهذا تعمل الفائدة البنكية على تقليل الخسائر الحقيقية فحسب، حتى وإن كان رصيدك البنكي يزداد شهريا أو سنويا حسب نظام كسب الفائدة.

في المغرب مثلا كان معدل التضخم في عام 2023 عند 6.1%، وهو معدل أكبر من سعر الفائدة البنكية التي لا تتجاوز 3 في المئة، وهذا يعني نظريا أن المواطن المغربي الذي يحصل على الفائدة البنكية خسرت أمواله فقط 2.9% من قيمتها الفعلية وهذا أقل من المواطن الذي لا يحصل على الفائدة والذي خسر 6.1% كاملة.

في مصر كان معدل التضخم في عام 2023 عند 35% في المتوسط وهذا أعلى من سعر الفائدة التي ارتفعت إلى 27.25% بعد التعويم الأخير، وحتى في حال حصول المواطن المصري على تلك الفائدة فهو قلل من خسائره ولم يربح شيئا فعليا.

تحاول البنوك من خلال الفائدة البنكية تقليل الخسائر في مدخرات المودعين، ومع تراجع التضخم ستلجأ البنوك المركزية مجددا إلى خفضها.

تنمية الثروة يحدث في الإستثمار

تنمية الثروة عادة ما تحدث من خلال الإستثمار وليس فقط من خلال الادخار، الأخير هو عملية حفظ جزء من الدخل أو الثروة الحالية للاستفادة منها في وقت لاحق أو لتوفير الكاش لتسديد الفواتير على المدى القريب والمتوسط.

وعلى الرغم من أن الإدخار يعتبر هامًا لتوفير الإحتياطيات المالية والسيطرة على الديون وتحقيق الإستقرار المالي، إلا أنه غالبًا ما يكون له عائدات محدودة.

من ناحية أخرى، يعتبر الإستثمار وسيلة لزيادة الثروة على المدى الطويل، عندما تستثمر الأموال، فإنك تضعها في أصول أو مشاريع تتوقع أن تحقق عائدًا مستقبليًا أعلى.

يمكن أن تشمل أشكال الإستثمار شراء الأسهم والسندات، واستثمارها في العقارات، وفتح أعمال تجارية، والإستثمار في صناديق الإستثمار وغيرها.

الإستثمار يتضمن عادة مخاطرة معينة، حيث لا يمكن التنبؤ بنتائجه بدقة مئة في المئة، ومع ذلك، فإن الإستثمار الذكي والمدروس يمكن أن يؤدي إلى عوائد مالية جيدة وزيادة الثروة على المدى الطويل.

وهنا يتضح لنا مشكلة الفقراء والطبقة المتوسطة الذين يميلون إلى الإدخار والأسوأ من ذلك ادخار أموالهم في البيوت وتجنب البنوك وهي مشكلة تعاني منها الأنظمة المالية العربية والإسلامية، ولهذا السبب هناك جهود من السلطات كما يحدث في المغرب لحث المواطنين على إيداع أموالهم في البنوك، ويمكن أن تحل النقود الرقمية هذه المشكلة.