
في مشهد يعكس عمق الجهل والغرور الذي يسيطر على بعض الأوساط المصرية، يتساءل عشرات المصريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي: “ليه جماهير المغرب كانت بتشجع السنغال ضد مصر؟!”، كأنهم يتجاهلون تماماً الواقع الذي يفسر هذا “الانقلاب” المزعوم.
الحقيقة أن الجمهور المغربي كان في البداية أكبر داعم للمنتخب المصري خلال كأس أمم أفريقيا 2025، محولاً الملاعب إلى احتفالية مشتركة تعكس التقارب المصري المغربي.
لكن في المباريات الثلاثة الأخيرة لم يعد غالبية الجمهور المغربي يساند مصر وهناك أسباب متعددة لابد من الوقوف عندها لفهم هذا التغير.
الجاليات السينغالية القوية
العلاقات التاريخية والمتجذرة بين المغرب والسنغال تجعل تشجيع أسود التيرانجا أمراً طبيعياً.
المغرب ليس مجرد دولة عربية، بل له عمق إفريقي يعود إلى قرون، خاصة مع غرب إفريقيا، في مارس 2023، أدلت الوزيرة السنغالية السابقة عيساتا تال سال بكلمة في مؤتمر بمراكش، قائلة إن “محمد السادس، عاهل المغرب، هو أيضاً أمير المؤمنين في دولة السنغال”.
هذا ليس كلاماً فارغاً، بل تعبير عن روابط دينية، اقتصادية، وثقافية تعود إلى عصر المرابطين في القرن الحادي عشر، مروراً بالموحدين والسعديين، وصولاً إلى العلويين.
خلال كأس أفريقيا 2025، احتفل المغاربة بوضع التلفزيون السنغالي الرسمي صورة الملك محمد السادس في استوديو التحليل، ما يعكس الثقة المتبادلة والتعاون السياسي والإنساني بين الرباط وداكار.
ومن المعلوم أن المغرب هو داعم الصوفية في غرب أفريقيا ولديه سياسة دينية روحية متوازنة وغير متشددة يرعاها في المنطقة لمواجهة الخطاب السلفي المتشدد.
الجاليات الأفريقية أكبر من نظيرتها المصرية في المغرب
الجاليات الأفريقية في المغرب، خاصة السنغالية والنيجيرية، هي الأكبر مقارنة بالجالية المصرية الضئيلة، مما يفسر حضورها القوي في المدرجات.
وفقاً لإحصاءات التعداد العام للسكان والسكنى في المغرب لعام 2024، بلغ عدد الأجانب 148,152 شخصاً، بنمو 76.4% عن 2014، و59.9% منهم من أفريقيا جنوب الصحراء.
ويشكل السينغاليون جزءاً كبيراً من هذه الجالية، مع 12 ألف طلب زواج سنغالي من المغربيات في المغرب عام 2023، وآلاف المقيمين الذين يعملون ويدرسون هناك، ويحضرون المباريات بكثافة.
كما أن عدد اللاجئين والطالبي اللجوء السنغاليين يصل إلى 1,956 شخصاً، أما النيجيريون، فهم أيضاً جزء أساسي من الجاليات الأفريقية، مع آلاف المقيمين الذين يستفيدون من الاستثمارات المشتركة بين المغرب ونيجيريا، مثل مشروع خط الغاز الذي يربط البلدين عبر غرب إفريقيا.
هؤلاء ليسوا مجرد مهاجرين بل هم جزء من نسيج المجتمع المغربي، يدعمون منتخباتهم بحماس، خاصة في بطولة تستضيفها بلد يعاملها كأفريقية أصيلة.
تصريحات التوأم حسام حسن وإبراهيم حسن
لكن السبب الرئيسي في هذا “الانقلاب” هو تصريحات التوأم حسام حسن وإبراهيم حسن، التي كانت بمثابة قنبلة تفجرت في وجه الجمهور المغربي.
قبل مباراة الترتيب، انتقص حسام حسن من تاريخ الكرة المغربية، متهماً التنظيم بالفشل والفنادق بالرداءة، والملاعب بالتحيز، بل وادعى أن “الحسد” على تاريخ مصر السبعة ألقاب هو السبب في إقصائها.
هذه التصريحات لم تكن مجرد كلام عابر؛ بل أثارت غضباً عارماً، خاصة بعد أن رفض حسام حسن الإجابة على أسئلة الصحفيين المغاربة في مؤتمر صحفي، معتبراً إياها “غير محترمة”، مما دفع صحفيين مصريين إلى الخروج احتجاجاً.
هل هذا هو “الاحتراف” الذي يدعيه حسام حسن؟ أم أنه إنكار لفشل فني واضح، حيث لم تسدد مصر تسديدة واحدة على المرمى حتى الدقيقة 84 أمام السنغال؟ هذه التصريحات ليست جديدة؛ فحسام حسن معروف بتصرفاته العدوانية تجاه الصحفيين واللاعبين، كما في فيديوهات انتشرت مؤخراً تكشف نمطاً من السلوك غير المهني.
الهجوم الإعلامي المصري على الجماهير المغربية
في تصريحاته الإستفزازية أكد حسام حسن أنه لا ينتظر تشجيعات الجمهور المغربي، وقد دعا الإعلامي الشهير شوبير أيضا الجماهير المغربية إلى عدم تشجيع المنتخب المصري ضد نيجيريا.
وقد تحول الإعلام المصري إلى الهجوم على المغرب وعلى تنظيمه لهذه البطولة واختار مسارا تصاعديا سلبيا ما حول المنتخب المصري إلى خصم للمغاربة بحيث خسر تعاطفهم تماما.
هذا السلوك الإعلامي المصري لم يوسع الهوة فحسب، بل جعل الجمهور المغربي يرى في المنتخب المصري رمزاً للغطرسة، لا للرياضة النبيلة، وهكذا وجد المنتخب المصري نفسه اليوم مكروها وغير مرغوب به من الجماهير المغربية التي اختارت دعم نيجيريا.
