إيران روسيا أوكرانيا

تكمن أهمية إيران بالنسبة لروسيا في حرب أوكرانيا في جانب ضيق ولكنه بالغ الأهمية، الإكراه المستمر بعيد المدى في ظل العقوبات.

وقد ساعدت طهران موسكو على تحويل طائرات الهجوم أحادية الاتجاه المسيرة من مجرد إضافة مرتجلة إلى نظام ضربات متكرر يمكن إنتاجه بكميات كبيرة، ودمجه في الإنتاج الروسي، وتمويله عبر شبكات مصممة لتحمل الضغوط.

تُعدّ حملة الطائرات المسيّرة المُشتقة من طائرات شاهد محورَ هذه الحملة، وقد أشارت تقارير أوكرانية إلى أن العدد التراكمي للطائرات المسيّرة من طراز شاهد التي استخدمتها روسيا بلغ عشرات الآلاف، مع تسارع حادّ بحلول منتصف عام 2025.

وصرح الرئيس فولوديمير زيلينسكي أمام البرلمان الهولندي بأن روسيا استخدمت 28,743 طائرة مسيّرة من طراز شاهد منذ بدء الغزو الشامل، بما في ذلك 2736 طائرة في يونيو 2025 وحده، مُشيرًا إلى أن روسيا لم تكن لتتمكن من الحفاظ على هذا الحجم لولا علاقاتها مع إيران.

ويُنسب ملخصٌ آخر مفتوح المصدر، استشهد به معهد دراسة الحرب، الرقم الإجمالي نفسه إلى منظمة استخبارات مفتوحة المصدر أوكرانية، وهو أمرٌ ذو أهمية لأنه يُظهر أن العدد المتداول يتجاوز مجرد تصريح سياسي واحد.

هذه الأرقام قابلة للنقاش، كما هو الحال غالبًا مع إحصاءات زمن الحرب، لكن الإشارة الاتجاهية قوية، فقد أصبح استخدام الطائرات المسيّرة على نطاق واسع أمرًا روتينيًا، وغيّر شكل حملة الضربات الروسية.

الأثر العسكري المباشر ليس أن الطائرات المسيّرة تنتصر في معارك دونباس، والنتيجة هي إبقاء منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية في حالة استنزاف مستمر وإعادة هيكلة دائمة، مع تهديدها المتكرر لمنظومة الطاقة والبنية التحتية الحضرية.

يمكن لروسيا أن تتقبل معدلات خسارة عالية في الطائرات المسيّرة إذا استمرت في إجبارها على إطلاق صواريخ اعتراضية، واستهلاك موارد الرادار، وبذل جهود في الحرب الإلكترونية، وإجراء عمليات صيانة ليلًا بعد ليل، هذه معادلة كلاسيكية لتبادل التكاليف، وهي تحديدًا المجال الذي تُعد فيه التصاميم الإيرانية مفيدة.

وصفت وزارة الخزانة الأمريكية شركة “صحارى ثاندر” بأنها واجهة إيرانية رئيسية مرتبطة بتصميم وتصنيع وبيع آلاف الطائرات المسيّرة التي نُقلت في نهاية المطاف إلى روسيا لاستخدامها ضد أوكرانيا.

ويتعمق التقرير الاستشاري الصادر عن شبكة مكافحة الجرائم المالية (FinCEN) بتاريخ 6 يونيو 2025 في تفاصيل الآليات، موضحًا التعاون لتمويل وإنتاج طائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه مصممة إيرانيًا في منشأة “ألابوغا” بروسيا بموجب عقد قيمته حوالي 1.75 مليار دولار، مشيرًا إلى مفاوضات مع “صحارى ثاندر” لتسليم وإنتاج آلاف الطائرات المسيّرة سنويًا في تلك المنشأة.

ويصف موقع C4ADS، استنادًا إلى سجلات مسربة، تعاون “صحارى ثاندر” مع شركة “ألابوغا” لتوفير التكنولوجيا والمعرفة اللازمة لإنتاج نسخة معدلة من طائرة “شاهد-136″، ويفصّل كيف دعمت الوسطاء وأنظمة الدفع المختلطة عملية التوطين والنتيجة الاستراتيجية واضحة.

فبمجرد دمج التصميم في الإنتاج الروسي، تقل أهمية اعتراض الأنظمة الجاهزة، وتنتقل مشكلة الإنفاذ إلى المكونات، وأدوات الآلات، والمدفوعات، والنظام البيئي لأعمال الوسطاء.

يمتد دور إيران ليشمل نقل الصواريخ، وإن كان من الصعب تحديد أهميته العملياتية بدقة من المصادر المتاحة، فقد سبق أن نقلت رويترز تصريح وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بأن روسيا تسلمت صواريخ باليستية إيرانية، من طراز فتح-360، مع توقعات بإمكانية استخدامها في أوكرانيا خلال أسابيع، وأشار إلى تدريب القوات الروسية.

وفي وقت لاحق، أفادت رويترز بأن إيران سلمت صواريخ بدون منصات إطلاق، مما يثير تساؤلات حول إمكانية استخدامها الفوري، ويشير إلى احتمال قيام روسيا بتعديل منصات الإطلاق.

والنقطة الأهم في تقييم الأثر هي التواضع، فحتى لو ظهرت هذه الأنظمة بأعداد محدودة، فإنها قد تخفف الضغط على ترسانات روسيا، وتوسع نطاق التهديدات التي يتعين على أوكرانيا الاستعداد لها، فهي لا تغير من قيود القوات البرية الروسية، ولكنها قد تزيد من تعقيد خطط الدفاع الأوكرانية في المناطق الخلفية والقريبة من الجبهة.

تصف شبكة مكافحة الجرائم المالية (FinCEN) استخدام إيران لشركات الصرافة والتجارة في دول ثالثة للوصول إلى الخدمات المصرفية المراسلة، وتحويل العملات باستخدام وثائق مزورة، وإيصال الدولارات إلى خارج إيران لنقل السلع الأساسية وشراء البضائع الحساسة.

ويشير التقرير نفسه إلى عائدات النفط الإيرانية كمصدر تمويل لمكونات الأسلحة وعمليات الشراء ذات الاستخدام المزدوج، ويربط صراحةً أنماط الشراء هذه ببرامج الطائرات بدون طيار، وفي دراسة حالة “صحارى ثاندر”، بجهود الإنتاج المرتبطة بروسيا.

ويصف مركز القيادة والسيطرة والاتصالات والحاسوب (C4ADS) الوسطاء المقيمين في الإمارات العربية المتحدة ومزيجًا من التحويلات البنكية وشحنات الذهب كطرق دفع مستخدمة في جهود التوطين.

بالنسبة لروسيا، يُعد هذا الأمر بالغ الأهمية لأن منظومة الضربات الحربية تعتمد على تدفق مستمر للمكونات والخدمات التي غالبًا ما تكون أكثر عرضة للخطر من هياكل الطائرات نفسها، وتوفر الأساليب الإيرانية نماذج عملية للشراء في ظل القيود، حتى وإن ظلت الصين المصدر الأكبر للمدخلات الصناعية.

وقد جاءت هذه الفوائد مصحوبة بغطاء دبلوماسي ومؤسسي، فقد أشارت إجراءات العقوبات الغربية مرارًا وتكرارًا إلى دعم إيران لروسيا بالطائرات المسيّرة، وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على كيانات إيرانية على هذا الأساس.

كما قامت روسيا وإيران بتعزيز التعاون بينهما عبر معاهدة شراكة استراتيجية وُقّعت في يناير 2025، والتي حظيت بتغطية واسعة النطاق كجزء من موقفهما المشترك في ظل العقوبات.

لا يُثبت هذا التعزيز تأثيرًا على أرض المعركة، ولكنه يُشير إلى أن كلا الجانبين ينظر إلى العلاقة على أنها تتجاوز مجرد تجارة الأسلحة العرضية.

لقد شكّل ذلك عاملاً هاماً في قدرة روسيا على مواصلة حملة ضغط طويلة المدى ضد الدفاعات الجوية والبنية التحتية الأوكرانية على مدار مواسم الحرب.

ومن المرجح أنه حسّن من استمرارية الضربات الروسية، ومكّن موسكو من اختيار صواريخ متطورة لأهداف محددة أو في أوقات محددة، إلا أنه لم يحلّ مشاكل روسيا المتعلقة بالقوى البشرية، أو تحديات التكيف التكتيكي، أو بطء وتيرة القتال البري.

لا تزال الحرب تعتمد على قدرة روسيا على توليد القوة وتوسيع نطاق وصولها الصناعي، لكن إيران حسّنت بشكل ملحوظ قدرة روسيا على مواصلة حملتها الجوية القسرية بشكل مستمر.

صحيح أن تأثير إيران ليس بحجم تأثير الصين، ولكن في حال سقوط النظام الإيراني الحالي فإن كلاً من الصين وروسيا ستخسران حليفاً مهماً في تحقيق أهدافهما المتعلقة بنشر القوة.