فنزويلا أمريكا

فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (حوالي 303 مليار برميل في 2025، وفقاً لتقارير أوبك)، كانت لعقود طويلة المورد الرئيسي للنفط إلى أمريكا، قبل أن تتحول العلاقة إلى صراع عقوبات ودعاوى قضائية.

تاريخيا لعبت الولايات المتحدة دوراً رائداً طوال تاريخ فنزويلا النفطي الممتد لأكثر من قرن، وقد تجلى جزء كبير من هذا الدور في شكل تحالفات استراتيجية.

ومن المنتظر أن تعود العلاقة إلى سابق عهدها بعد اعتقال مادورو من قبل القوات الأمريكية والإنتقال إلى الديمقراطية واقتصاد السوق.

دور أمريكا في اكتشاف النفط الفنزويلي

تعود جذور العلاقات الأمريكية الفنزويلية في مجال النفط إلى أوائل القرن العشرين، قبل أن تكون فنزويلا منتجاً صناعياً رئيسياً.

في عام 1914، بدأ الإنتاج الصناعي للنفط في فنزويلا، وسرعان ما أصبحت الولايات المتحدة الشريك التجاري الرئيسي والمشتري الأساسي.

كانت الشركات الأمريكية، مثل ستاندرد أويل (التي أصبحت لاحقاً إكسون موبيل)، في طليعة هذا الدخول، مع مشاريع مبكرة على الشاطئ الغربي لبحيرة ماراكايبو، أكبر حوض نفطي في البلاد.

قبل ذلك، كانت فنزويلا أقرب اقتصادياً إلى أوروبا، خاصة بريطانيا وألمانيا، في نهاية القرن التاسع عشر، لكن مع اكتشاف النفط، تحولت الأمور؛ أصبحت أمريكا المستورد الأول، مستفيدة من القرب الجغرافي والاحتياجات الصناعية.

خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، لعبت فنزويلا دوراً حاسماً كمورد للوقود للحلفاء، حيث كانت تصدر كميات هائلة إلى أمريكا لدعم الجهود الحربية.

هذا التعاون عزز الروابط، مع نقل التكنولوجيا الأمريكية وممارساتها التجارية إلى فنزويلا، مما ساعد في بناء صناعة نفطية حديثة.

التحالف الأمريكي الفنزويلي الإستراتيجي

طوال النصف الثاني من القرن العشرين، لم تكن فنزويلا والولايات المتحدة مجرد شريكين تجاريين، كانتا حليفتين وثيقتين في الشؤون الأمنية أيضاً.

خلال الحرب الباردة، كانت فنزويلا جزءاً من استراتيجية أمريكا لمواجهة الشيوعية في أمريكا اللاتينية، مع الاعتماد على النفط كأداة دبلوماسية.

بحلول السبعينيات، كانت فنزويلا تصدر ملايين البراميل يومياً إلى أمريكا، خاصة النفط الثقيل الذي يناسب مصافي التكرير في تكساس ولويزيانا.

لكن التغيير الكبير جاء في 1976 (بعد قرار التأميم في 1974)، عندما أممت فنزويلا قطاع النفط، مما أدى إلى تأسيس شركة PDVSA (Petróleos de Venezuela).

رغم ذلك، استمرت الشركات الأمريكية في العمل من خلال عقود مشتركة، محافظة على تدفق التكنولوجيا والاستثمارات، كانت هذه الفترة ذروة الشراكة: فنزويلا توفر النفط، وأمريكا تقدم السوق والدعم الفني.

عدوان هوغو تشافيز على الشركات الأمريكية

مع تولي هوغو تشافيز السلطة في 1999، بدأت مرحلة جديدة من التوتر، كانت فنزويلا تصدر حينها حوالي 3.2 مليون برميل يومياً، معظمها إلى أمريكا.

لكن تشافيز، الذي رأى في النفط أداة للعدالة الاجتماعية، أدخل تغييرات قانونية جذرية في 2007، تهدف إلى منح الدولة سيطرة أكبر على المشاريع وعائداتها.

هذا أدى إلى مصادرة أصول بعض الشركات الأمريكية، مثل كونوكو فيليبس وإكسون موبيل، اللتين رفعتا دعاوى قضائية دولية تطالب بتعويضات تصل إلى مليارات الدولارات، ولا تزالان مستمرتين حتى اليوم.

استغل تشافيز – ولاحقاً خليفته نيكولاس مادورو – هذه الأحداث كذريعة لتعزيز السيطرة الوطنية، مع توسيع العلاقات مع روسيا والصين وإيران.

لكن الفساد وسوء الإدارة في PDVSA أدى إلى انهيار الإنتاج، من 3.2 مليون برميل في 1999 إلى أقل من مليون برميل في 2025، مما أضعف الاقتصاد الفنزويلي الذي يعتمد بنسبة 95% على النفط.

الضربة القاضية في 2019 ودور شيفرون

مع تصاعد التوترات السياسية، فرضت الولايات المتحدة في 2019 حظراً كاملاً على النفط الفنزويلي، بهدف خنق كراكاس اقتصادياً وإجبار مادورو على التنحي.

هذه العقوبات – التي استمرت تحت إدارات ترامب وبايدن – ضربت ركيزة الاقتصاد الفنزويلي، مما أدى إلى أزمة إنسانية وانهيار مالي، ولا تزال العقوبات تحول دون تداول النفط الفنزويلي في السوق الدولية، مع استثناءات محدودة.

شيفرون، الشركة الأمريكية الوحيدة المرخصة، تعمل تحت قيود صارمة، حيث يُمنع عليها تداول النفط الخام أو مشتقاته دولياً، وتعتمد على صفقات محدودة مع الحكومة الفنزويلية.

اقتصادياً، خسرت فنزويلا أكبر سوقها (أمريكا)، مما أدى إلى تضخم بنسبة 200% وهجرة 7 ملايين مواطن.

جيوسياسياً، دفع ذلك كراكاس نحو روسيا والصين، اللتين أصبحتا مستوردين رئيسيين، مع استثمارات صينية تصل إلى 60 مليار دولار في النفط.

استغل تشافيز، ولاحقًا خليفته مادورو، هذه الأحداث المثيرة للجدل كذريعة في معركتهما التاريخية للسيطرة على النفط الخام الفنزويلي.

إلا أن الفساد وسوء إدارة المنشآت من قبل شركة النفط الحكومية الفنزويلية (PDVSA) ساهما بشكل كبير في انهيار إنتاج النفط والاقتصاد المحلي، الذي يعتمد اعتمادًا كبيرًا على النفط الخام.

اعتقال مادورو وعودة العلاقات الأمريكية الفنزويلية

مع مادورو تعود العلاقات الأمريكية الفنزويلية من جديد، ونتوقع أنه في أشهر قليلة سترفع الولايات المتحدة على البلد اللاتيني ونرى حكومة ديمقراطية تعبر عن الشعب الذي خرج إلى الشارع للإحتفال بسقوط الديكتاتور.

ولا يزال منتقدو دونالد ترامب محلياً ودولياً قلقين بشأن ما إذا كان “الانتقال الآمن” الذي يتحدث عنه الرئيس الأمريكي يتضمن ضمانات لسيادة فنزويلا في مجال الطاقة ومنافع لشعبها، الذي يعاني من الفقر ويُعد ضحية لواحدة من أكبر أزمات الهجرة في التاريخ الحديث.

ورغم أنه قبل مادورو وهوجو تشافيز، كانت فنزويلا دولة غنية، إلا أن ثروتها لم تُوزع بشكل عادل، بسبب تعاقب الحكومات الفاسدة وغياب الاقتصاد الليبرالي الحقيقي.

ويأمل المراقبين في أن تحصل فنزويلا على توجيهات من صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية لإعادة بناء الاقتصاد الفنزويلي على أسس أقوى.