
في شوارع عمان العتيقة، حيث يلتقي الماضي بالحاضر تحت أضواء المدينة المتلألئة، بدأت قصة حب لم يكن أحد يتخيل أنها ستنتهي بسبب هيفاء وهبي.
كانت لينا وأحمد، زوجين شابين في العشرينيات من العمر، يمثلان نموذجا للشباب الأردني الذي يحلم ببناء أسرة مستقرة وسط ضغوط الحياة اليومية.
زواج لينا وأحمد
لينا، فتاة من عائلة متوسطة الحال في حي جبل الحسين، كانت تعمل في محل مجوهرات صغير، تحلم بيوم يأتي فيه زوجها بقلادة ذهبية تضيء يدها كما تضيء عيونها ابتسامته.
أما أحمد، مهندس شاب في شركة لأعمال البناء، فكان يعشق الموسيقى والحفلات، يهرب فيها من روتين العمل الذي يلتهم أيامه.
تزوجا قبل عامين في حفل بسيط، مليء بالأغاني الشعبية والرقصات التقليدية، لكن سرعان ما بدأت الشقوق تظهر في جدران حياتهما المشتركة.
من خلافات صغيرة حول المصروفات، إلى تأخر في دفع فواتير المنزل، ووعود متكررة من أحمد بـ”هدية كبيرة” لم تتحقق.
كانت لينا تثق به، تتذكر كيف كان يغني لها أغاني هيفاء وهبي في أمسياتهما الأولى، يقلد حركاتها الساحرة حتى تضحك حتى الدموع، لكن الثقة تلك كانت على وشك أن تتحول إلى رماد.
الوعد بالذهب الذي لم يكن
كان الأسبوع الماضي، تحديدا يوم الثلاثاء، يوما عاديا في منزل الزوجين الصغير في ضاحية الشرقية.
عاد أحمد من عمله متعبا، يحمل في جيبه هاتفه الذي يرن بإشعارات من تطبيقات بيع التذاكر، كان قد سمع عن حفل هيفاء وهبي القادم في عمان، الذي أثار ضجة كبيرة.
الحفل، الذي أقيم في مهرجان عمان الدولي للموسيقى، كان يُعد حدثا استثنائيا، بموازنة بلغت مليون ونصف المليون دولار، وتذاكر تبدأ من 213 دينار أردني وتصل إلى 700 دينار للمقاعد الذهبية.
النجمة اللبنانية هيفاء وهبي التي سحرت الجماهير بأغانيها الرومانسية والإيقاعية، كانت ستغني أعمالها الشهيرة مثل “رجب” و”يا حياتي” و”الدنيا دولاب”، وسط إضاءة ليزرية ومؤثرات بصرية تجعل الليلة لا تُنسى.
بالنسبة لأحمد الذي كان يحب هيفاء منذ أيام الجامعة هذا ليس خبرا عاديا، إنها فرصته ليرى الجميلة اللبنانية ويستمع لأغانيها الساحرة، غير أنه لم يكن لديه المال الكافي، فالراتب الشهري يذهب للإيجار والديون الصغيرة، ولينا كانت تطالبه دائما بـ”شيء يذكرني بأنك تفكر بي”.
في تلك الليلة، بعد عشاء سريع من المناقيش والشاي، جلس أحمد بجانب زوجته وقال بابتسامة واسعة: “لينا، حبيبتي، أنا استدنت مبلغا من صديقي في العمل، سأشتري لك ذهبا، قلادة جميلة تجعلكِ ملكة، انتظري أسبوعا فقط، وستكونين الأجمل في عمان”.
فرحت لينا، عيونها تلمعان كالنجوم فوق المدينة وقالت: “أحمد، أنت أفضل زوج في العالم! أحلم بهذه القلادة منذ زواجنا”.
قبلها على جبينها، وناما تلك الليلة في سلام نادر، لكن أحمد، في الصباح التالي، ذهب إلى عمله مباشرة إلى تطبيق التذاكر، حجز مقعدا في الصف الثالث، بـ450 دينارا، “ستكون هدية لنفسي، وستفهم لينا لاحقا”، قال لنفسه محاولا الإقناع.
كان يخطط لإخبارها بعد الحفل، ربما يأخذها في نزهة ويعوضها بوعد آخر كما يفعل الكثير من الأزواج المتلاعبين بزوجاتهم.
الكذبة التي انكشفت في الصباح
مرت الأيام كالبرق، مليئة بتلميحات لينا عن الذهب، وابتسامات أحمد المزيفة. ثم جاء يوم الحفل، الجمعة 8 نوفمبر 2025.
عاد أحمد متأخرا من العمل، قائلا إنه سيقضي الليلة مع أصدقائه في مقهى، لم تشك لينا، فهي تعرف أنه وفي لها وليست هذه المرة التي يسهر مع أصدقائه في المقهى.
في تلك الأثناء، كان أحمد يتجه نحو مهرجان عمان، حيث كانت المدينة تغلي بالإثارة، الشوارع محاطة بسيارات فارهة، والناس يرتدون أجمل ملابسهم، يتبادلون الصور على إنستغرام.
وصل أحمد إلى المدخل وشعر بالإثارة تخترق جسده، الإضاءة الملونة ترقص على الجدران، والموسيقى الخلفية تبدأ بالتصاعد.
داخل القاعة، كانت هيفاء وهبي تظهر كالأميرة، فستانها الأحمر اللامع يلمع تحت الأضواء، شعرها الأسود يتمايل مع كل حركة.
بدأت الحفل بـ”يا حياتي”، صوتها يملأ المكان كالسحر، ما جعل الجماهير تصفق وترقص، أما احمد فقد اندمج ونسي حياته.
رقص مع الغرباء، غنى بصوت عالٍ، شعر أنه حي لأول مرة منذ شهور، هيفاء تحدثت عن حبها للشعب الأردني، قائلة: “أنا بحب الشعب الأردني واشتقتله كتير”، مما أثار هتافات الجمهور.
استمر الحفل ساعات، مع أغانٍ مثل “الليالي” و”بوسة”، ومؤثرات نارية تضيء المكان، انتهى الحفل بتصفيق مدوي، وأحمد يشعر بالنشوة، يفكر: “كانت الليلة تستحق كل دينار”.
في المنزل، كانت لينا تنتظره، تشاهد فيديوهات الحفل على منصات التواصل وهي غارقة في تمرير المنشورات.
عاد أحمد في الثانية صباحا، رائحة العرق والإثارة تفوح منه، ناما دون كلام كثير، لكن في الصباح السبت، تغير كل شيء.
كانت لينا في المطبخ تحضر الإفطار، عندما تلقت رسالة من صديقة لها تسألها عن سبب عدم مرافقة زوجها إلى حقل هيفاء وهبي، وأخبرتها أنها كانت في الحفل وقد لمحت زوجها مع صديق له هناك.
حينها واجهت لينا زوجها الذي كان يغسل وجهه بالرسائل الصوتية من صديقتها، حاول أن ينكر زوجها في البداية لكن سريعا ما قرر التوقف عن الأكاذيب.
كانت لينا في قمة الغضب وهي تسأله: “تذكرة حفل هيفاء وهبي؟ الذهب الذي وعدتني به كان تذكرة لحفل؟!”.
أما أحمد فقد حاول الاعتذار: “لينا، حبيبتي، كان خطأ، أردت مفاجأة نفسي، أنتِ تعرفين كم أحب هيفاء، سأعوضكِ، أقسم!”.
لكن الكلمات لم تكن كافية، اندلعت المشادة، أطباق تتحطم على الأرض، صرخات تملأ الشقة الصغيرة والزوجة تقول وهي تبكي “أنت كذاب! تستدان لنفسك وتتركني أحلم بذهب وهمي؟ هذا ليس حبا، هذه أنانية!”.
أول طلاق في الأردن بسبب حفل هيفاء وهبي
لم يكن الخلاف مجرد لحظة غضب، كان انفجارا لكل الخلافات السابقة من الليالي التي قضاها أحمد أمام التلفاز بدلا من الحديث معها، المصروفات التي تذهب لألعابه الإلكترونية، والوعود الفارغة التي تراكمت كالغبار.
حاول أحمد الدفاع: “لينا، الحفل كان سحرا! هيفاء غنت ‘رجب’ وكأنها تغني لحياتنا، الإضاءة كانت تجعل الجميع يشعر بالحرية، أردت أن أشعر بحياة خارج الجدران هذه!”.
لكن لينا رأت في ذلك إهانة: “حريتك على حساب ثقتي؟ أنت لم تفكر بي وأنا أنتظر هديتك كل ليلة!”.
سرعان ما انتشر الخبر في العائلتين. اتصلت لينا بأمها، التي جاءت مسرعة مع أختها، أما أحمد، فاتصل بأخيه الأكبر، الذي وصل مع والده.
اجتمعوا في الشقة، الجو مشحون كعاصفة رعدية. الأم تحاول تهدئة لينا: “يا بنتي، الرجال يرتكبون أخطاء، سامحيه”.
أما والد أحمد، فينظر إليه بحدة: “يا ولد، كيف تستدان لأجل حفل تافه” حاولوا الصلح، اقترحوا جلسة عائلية في مطعم شهير، لكن الغضب كان أقوى.
رفضت لينا الجلوس معه واعتبرت الكذب عليها بمثابة خيانة، أما أحمد الغارق في الذنب أصبح يغضب رويدا رويدا بسبب عناد زوجته.
استمر التدخل طوال اليوم. جلسوا في غرفة المعيشة، يتبادلون الكلمات الحادة والدفاعات الضعيفة. أخت لينا قالت: “هذا ليس عن الحفل، بل عن الثقة. كيف يخفي أمرا كهذا؟”.
أما شقيق أحمد فقد حاول الدفاع عنه بالقول: “الرجال يحتاجون إلى هوايات، ليس كل شيء للزوجة”.
لكن الكلمات لم تلملم الجرح، في المساء، ذهبت لينا إلى منزل والدتها، وبقي أحمد وحيدا ينظر إلى صور الحفل على هاتفه وهو يشعر بالندم.
في اليوم التالي، ذهب الزوجان إلى المحكمة الشرعية في وسط عمان، كانت الخطوة سريعة، مدفوعة بالغضب والألم.
وبدأ الزوجين إجراءات الطلاق بالتراضي، خصوصا وأن لينا مصرة على ذلك بينما رضخ أحمد للواقع.
