
تنهج الإمارات العربية المتحدة سياسية براغماتية ذكية بحيث تبحث عن مصالحها ما يجعلها مكروهة بالنسبة لدولة تفكر بعقلية الحرب الباردة مثل الجزائر.
وتشير معطيات سياسية وإعلامية متراكمة إلى أن العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر والإمارات تمرّ بأسوأ مراحلها منذ سنوات، في ظل اتهامات جزائرية مباشرة لأبوظبي بالاضطلاع بدور «مراوغ» في المغرب العربي ومنطقة الساحل الإفريقي، والسعي إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بما ينسجم مع اتفاقيات أبراهام.
التحالف المغربي الإماراتي
وجاء المنعطف الأحدث في هذا التدهور عندما أعلنت الإمارات دعمها العلني لقرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي يزكّي خطة الحكم الذاتي التي اقترحها المغرب عام 2007 بخصوص الصحراء الغربية، وهي منطقة متنازع عليها منذ ما يقارب خمسة عقود.
هذا الموقف، بحسب مصادر جزائرية، لا يُقرأ بمعزل عن استراتيجية أوسع تتبنّاها أبوظبي لإعادة هندسة التحالفات الإقليمية لصالح الرباط وإسرائيل، مع تقويض الدور الجزائري في الإقليم.
وتحدّثت وسائل إعلام جزائرية عن «مناورات سياسية مكثفة خلف الكواليس» داخل الأمم المتحدة، قادها تحالف ثلاثي يضم فرنسا والإمارات وإسرائيل، هدفه تمرير قرار يمنح شرعية دولية للموقف المغربي، وتصوير الجزائر كعامل عدم استقرار، رغم خطابها التقليدي الداعم لتقرير المصير وحقوق الشعوب.
وتشعر الجزائر بالقلق من التحالف المغربي الإماراتي في مختلف المجالات وليس فقط مسألة الصحراء، لدرجة أن البلدين ينهجان نفس التفكير والسياسة ولديهما نفس المواقف تقريبا في كل الملفات.
وهذا أمر طبيعي إذ ان المغرب والإمارات نظامين ملكيين والجزائر جمهورية ومن الدول التي لطالما حرضت على اسقاط الملكيات للإنتقال إلى جمهوريات مستبدة.
كما أن الإمارات حريصة على أمن واستقرار المغرب خصوصا وأنه معرض للخطر من الجيران الأعداء كما أن نظام حكمه مختلف عن الأنظمة الخليجية إذ هامش الحرية به أفضل وهناك عمل سياسي أوسع وانتخابات نزيهة وحكومة والنظام الملكي لا يتدخل في كل صغيرة.
ناهيك على أن رؤية المغرب السياسية واختياراته تتطابق مع اختيارات الإمارات، بلدين يدعمان الإسلام الوسطي ومع مبادرات السلام الحقيقية وضد نفوذ إيران في المنطقة.
وفي نوفمبر 2020، افتتحت الإمارات قنصلية في مدينة العيون، كبرى مدن الصحراء الغربية، في خطوة وُصفت حينها بأنها دعم صريح للموقف المغربي.
ومنذ ذلك الحين، كثّفت أبوظبي استثماراتها في الأقاليم الجنوبية، شملت مشاريع بنيوية كبرى مثل مطار «داخلة هَب»، وميناء الداخلة الأطلسي، ومبادرة «بوابة الداخلة نحو إفريقيا»، إلى جانب تطوير الشريط الساحلي بين الداخلة وطرفاية.
كما ضخت الإمارات أموالًا ضخمة في مشاريع الطاقات المتجددة، بما فيها الهيدروجين الأخضر والصناعات المرتبطة به، في إطار ترسيخ حضور اقتصادي طويل الأمد.
وتشير مصادر مختلفة إلى أن الاستثمارات الإماراتية في الأقاليم الجنوبية تجاوزت 30 مليار دولار، وتركزت على مشاريع ذات طابع استراتيجي.
كما أن الإمارات العربية المتحدة أصبحت أكبر مستثمر أجنبي في المغرب في مجالات الاتصالات والصناعة والزراعة والخدمات والبنية التحتية.
تطويق الإمارات للجزائر
يتجاوز التنافس الجزائري–الإماراتي ملف الصحراء الغربية ليطال عمق الساحل الإفريقي، فمن بنغازي في شرق ليبيا، مرورًا بنيامي وباماكو، وصولًا إلى واغادوغو، وسّعت أبوظبي نفوذها في مسار يُنظر إليه في الجزائر على أنه محاولة لـ«تطويق استراتيجي».
هكذا فسرت الأستاذة نور صباح أقنوش من جامعة بسكرة تحركات أبوظبي في المنطقة من خلال قولها لوسائل اعلام أن «سلوك الإمارات من البحر الأحمر إلى الأطلسي جزء من سياسة خارجية قديمة تهدف إلى احتواء الجزائر»، مضيفة أن أبوظبي «تدعم أنظمة هشّة وغير شرعية وتستخدمها كورقة ضغط لتهديد العمق الاستراتيجي الجزائري في مالي والنيجر وليبيا».
وتشير تقارير إلى أن الإمارات قدّمت لحكومات عسكرية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو حزم دعم تفوق ما تعرضه قوى دولية كبرى.
ففي باماكو، تعهّدت أبوظبي بتمويل مصفاة ذهب بقيمة 29 مليون دولار عبر صندوقها السيادي، إلى جانب ورش لصناعة المجوهرات، ما يعكس انخراطًا اقتصاديًا طويل المدى.
كما أسفر الاجتماع الثاني للجنة الإماراتية–المالية المشتركة، المنعقد في أغسطس 2025، عن توقيع 11 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات الأمن والزراعة والطاقة المتجددة، بينها محطتان شمسيّتان بقدرة 50 ميغاواط لكل منهما، وفي النيجر، تحدّثت تقارير غير مؤكدة عن تعاون تعدين «غير رسمي» بين نيامي وأبوظبي.
ولم تسلم المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية الجزائرية من هذا الصراع، وفي مقدمتها مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء (TSGP) الذي يربط نيجيريا بأوروبا عبر الجزائر، ففي مايو 2025، انضمت الإمارات رسميًا إلى قائمة المموّلين الرئيسيين لمشروع أنبوب منافس يربط نيجيريا بالمغرب، بطول 5660 كيلومترًا وتكلفة قد تصل إلى 50 مليار دولار.
وبناء عليه خسرت الجزائر نفوذها في كل من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وليبيا وغرب أفريقيا بشكل فادح، لدرجة أن الانسحاب العسكري الفرنسي من دول الساحل الأفريقي شكل ضربة لمصالحها وعمق من العزلة الجزائرية.
وكانت القوات الفرنسية تعمل لمكافحة الإرهاب إلا أن الجزائر من الدول التي شاركت في المنطقة إلى جانب روسيا في شيطنة الجهود الفرنسية والتحريض إعلاميا عليها.
وقد دفع الانسحاب الفرنسي تلك الدول للبحث عن تحالفات وتمويل عسكري واقتصادي ومساعدات مالية من دول أخرى وهنا ظهرت الإمارات والمغرب وقوى أخرى وخسرت الجزائر نفوذها.
