زهران ممداني

يشكل فوز المسلم زهران ممداني بعمدة نيويورك إثباتا حقيقيا على أن الديمقراطية الأمريكية تعمل وهي غير قائمة على التمييز والعنصرية وتتعامل مع كافة المواطنين بدون تمييز ولا إقصاء.

إنه واقع مختلف عن الأنظمة الدينية والقومية الإستبدادية في الشرق الأوسط، التي تقصي المخالفين بناء على هويتهم وتخنق التنوع تحت راية الشريعة أو القومية المتطرفة، والمضحك المبكي هي محاضراتهم عن حقوق الإنسان والحرية ودين السلام.

إن نتيجة انتخابات نيويورك 2025 دليل دامغ على تفوق الديمقراطية الغربية على مختلف المستويات وهو اختراع سياسي عبقري يبني الإزدهار على التنوع، مقابل الإستبداد الشرقي الذي يحول الدول إلى سجون ضخمة قائمة على القمع والإقصاء بناء على المعتقد الديني أو الإنتماء السياسي.

الديمقراطية الامريكية التي تحترم التنوع السياسي

ليست الديمقراطية الأمريكية مجرد نظام انتخابي بل ثورة سياسية اخترعها الغرب ليحول التنوع من تهديد الى وقود للتقدم، من الطبيعي أن يكون هناك حالة انقسام اعلامي وسياسي حاد بين الحزب الجمهوري والديمقراطي لكن هناك خطوط حمراء ونظام يجب أن يحترمه الجميع.

عندما انتخب الناخبون في نيويورك، المدينة الأكثر تنوعا في العالم مع 800 لغة و200 جنسية، زهران ممداني بعمدة، لم يفعلوا ذلك لانتمائه الديني بل رغم ذلك، ممداني، المهاجر الغاني المسلم الذي نشأ في بروكلين، فاز بـ52 في المئة من الاصوات لأنه وعد ببرنامج عملي: خفض الجريمة بنسبة 15 في المئة عبر تدريب شرطي شامل، واستثمار ملياري دولار في التعليم للشباب المهاجر، وبرامج اقتصادية ادت الى نمو 4 في المئة في السياحة المحلية.

هذا ليس دعما لشخص بل احتفاء بنظام يسمح لمسلم أن يقود مدينة ليس المسلمين فيها أكثرية، لأنه يقيس القادة بكفاءتهم لا بمعتقداتهم الدينية.

بالطبع في النظام الديمقراطي هناك أحزاب وانتماءات سياسية لا حصر لها ومنها الأحزاب القومية المعادية للمهاجرين والتي تمارس العنصرية لكن صلاحياتها وقوتها محدودة لأن هناك نظام يحمي مواطنة الجميع.

ومن الطبيعي في طريقه إلى عمدة نيويورك أن يواجه ممداني هجوما من وسائل اعلام قومية أو محافظة تعادي أفكاره السياسية اليسارية إضافة إلى استفزازه بالتذكير بأصوله وبأنه ليس مولودا حقيقيا في أمريكا.

قوة نظام الولايات المتحدة الأمريكية

بفضل التنوع وإدماجها للمهاجرين، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية أكبر اقتصاد في العالم مع مؤشر سعادة 7.2 من 10، وفقا لتقارير الامم المتحدة.

باراك أوباما، الرئيس الاسود ذو الجذور الاسلامية، قاد البلاد الى نمو 2.5 في المئة سنويا خلال ولايته، محولا الاقتصاد من الركود الى ازدهار.

وفي كاليفورنيا، حيث يشغل اللاتينيون 40 في المئة من المناصب، ارتفع النمو الإقتصادي بنسبة 3 في المئة بفضل سياساتهم الشاملة.

هذه الديمقراطية لا تقبل التمييز؛ فتقرير فريدم هاوس لعام 2025 يصنفها “حرة تماما”، مع نسبة اقصاء طائفي لا تتجاوز 5 في المئة من المناصب.

هل يمكن لمدافعي الاستبداد أن يدعوا العكس؟ لا، لأن الواقع يقول العكس فالكثير من قادة شركات سيليكون فالي هم هنود ويشكل المهاجرون 60 في المئة من الشركات الناشئة، مولدين تريليونات الدولارات.

هناك دولة عميقة تؤمن بأن الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة عالمية وليست دينية أو قومية، وأنها تفتح الباب للجميع شرط أن تكون مواطنا صالحا وتدفع الضرائب إذ لا يمكن فتح الباب للفوضيين والإرهابيين.

الإستبداد في الشرق الأوسط

في المقابل، تنهار الانظمة الدينية والقومية الاستبدادية في الشرق الاوسط تحت وطأة قمعها للتنوع، محولة الشعوب الى ضحايا لادعاءات كاذبة بـ”الحكم الالهي”.

في سوريا لا يمكن أن نرى رئيسا مسيحيا على سبيل المثال لأن الأغلبية السنية لن تسمح بذلك ويشترطون أن يكون الرئيس مسلما قبل أن النظر في أفكاره وبرنامجه، وقس على ذلك بقية الدول العربية الرئاسية إضافة إلى الملكيات التي لديها حكومات منتخبة.

في السعودية هناك اقصاء للشيعة وفي إيران هناك اقصاء وقمع للسنة، ناهيك على اقصاء العلمانيين والملحدين وما إلى ذلك من الأقليات الأخرى.

في مقابل آفة الحكم الديني هناك بديلا غير ديني استبدادي وهي آفة القومية التي تعادي المهاجرين وتريد اقصاءهم من المناصب الحكومية، وهي بديل يفضله غير المتدينين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومن الواضح أن المنطقة بعيدة كثيرا عن النضج كي تعتمد الديمقراطية الأمريكية أو حتى نظام الإتحاد الأوروبي الذي يتبنى مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان وتنوع الشعوب والثقافات في اتحاد بشري قوي لا يفرق بين فرنسي واسباني وألماني..

لا شك للمتتبع والقارئ العقلاني أن الديمقراطية هي اختراع سياسي لا يُضاهى، تحول التنوع الى قوة، بينما الاستبداد الديني والقومي في الشرق الأوسط يحوله الى قنبلة موقوتة.

لا خوف على الولايات المتحدة الأمريكية ما داما متمسكة بالنظام الديمقراطي ودستورها العظيم، الخوف على دول اعتمدت الإستبداد ينتهي بها المطاف عادة إلى حرب أهلية كما حدث في سوريا وكما يحدث الآن في السودان.