
عبر معظم الكتاب والمؤثرين الخليجيين على منصة اكس والمنابر المختلفة عن صدمتهم من فرحة المصريين بالهجمات الايرانية على دول الخليج وهو أمر لاحظناه بالفعل منذ اليوم الأول للحرب.
وما تكشفه موجة التعاطف المصري مع إيران، أو على الأقل حالة السخرية من ضرباتها على الخليج، ليس مجرد موقف عابر من حرب إقليمية، بل خلل أعمق في البوصلة السياسية والأخلاقية لهذا الشعب العريق الذي لا يحترم تاريخه ويتصرف بشكل طفولي أقرب منه إلى المرض النفسي.
وبينما تتعرض دول خليجية لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ويسقط ضحايا مدنيون وعسكريون، يخرج في الإعلام المصري من يلمز ويهمز ويسخر لأن تلك الدول تستضيف قواعد أمريكية، هذا إلى جانب المؤثرين والمشاهير الذين اختاروا التطبيل لإيران.
إيران نفسها قصفت دول الخليج في هذه الحرب، مستهدفة بنى تحتية ومدنًا، وأفادت تقارير بأن هجماتها شملت أكثر من 1480 طائرة مسيّرة و380 صاروخًا على خمس دول خليجية، ما أدى إلى مقتل مدنيين وجنود أمريكيين، بينما اشتكت حكومات خليجية من أنها تُركت مكشوفة في وجه الرد الإيراني.
المشكلة أن جزءًا من الرأي العام المصري لم يرَ في هذا المشهد اعتداءً على دول عربية، بل رأى فيه لحظة “تشفي” من الخليج.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: ما الذي يجعل قطاعات من المصريين تنحاز، ولو وجدانيًا، إلى دولة لطالما عاملت مصر بوصفها ورقة لا شريكًا، واحتفت لعقود باسم خالد الإسلامبولي، قاتل الرئيس المصري أنور السادات، حتى اضطرت لاحقًا إلى تغيير اسم الشارع تحت ضغط تحسين العلاقات مع القاهرة؟
هذه ليست تفصيلة رمزية صغيرة، بل مؤشر على أن إيران لم تكن يومًا صديقة لمصر بالمعنى السياسي أو التاريخي، بل دولة استثمرت طويلًا في كل ما يزعجها ويطعن رموزها.
ومع ذلك، يخرج من بين المصريين من يصفق لها، لا حبًا في إيران نفسها، بل نكاية في دول الخليج، وهذه بالضبط هي العقدة التي ينبغي تفكيكها.
فالتعاطف هنا ليس ثمرة قراءة استراتيجية باردة، بل نتاج تراكم نفسي واجتماعي وإعلامي طويل، أول هذه العوامل هو أن كراهية إسرائيل، وهي كراهية مفهومة في أصلها السياسي، تحولت عند كثيرين إلى عدسة عمياء تلغي كل تمييز.
ما دام الطرف الذي يضرب إسرائيل أو يشتبك معها يرفع شعار “المقاومة”، فإن كل جرائمه الأخرى تُغفر، وكل تهديداته للعرب تُنسى، وكل مشروعه التوسعي يصبح تفصيلًا ثانويًا، وهكذا تتحول إيران من دولة مذهبية توسعية بنت نفوذها على الميليشيات والخراب، إلى بطل مؤقت فقط لأنها تناكف إسرائيل وواشنطن، وهذا تبسيط طفولي للعالم لا قراءة سياسية احترافية.
العامل الثاني هو الشعور المتراكم بالمرارة الاجتماعية تجاه الخليج. لا أحد يستطيع إنكار أن الخليج وقف مع مصر في أزمات مالية وسياسية كثيرة، ولا أن تحويلات المصريين العاملين فيه شكّلت شريانًا حيويًا للاقتصاد المصري لعقود، لكن في المقابل، ترسخت لدى بعض الفئات المصرية مشاعر مختلطة من الاعتماد والحسد والاحتقار المقنّع.
وبدل أن تُقرأ نهضة الخليج بوصفها تجربة تنموية تستحق الفهم، قرأها بعضهم بوصفها “ثراءً لا يستحقه أصحابه”، وبدل أن يُنظر إلى دعم الخليج لمصر بوصفه مصلحة مشتركة أو تضامنًا سياسيًا، جرى أحيانًا استقباله بعقلية المستحقّ الغاضب الذي يظن أن ما يأتيه قليل على مكانته التاريخية.
من هنا يصبح ضرب الخليج، في خيال الرأي العام المصري الفقير الحاقد نوعًا من “تأديب الأغنياء” أو الثأر الرمزي من نجاح الآخرين.
العامل الثالث هو الإعلام، الذي لعب دورًا كارثيًا في تعليب الوعي العام. فبدل أن يشرح للناس أن إيران ليست فقط خصمًا لإسرائيل بل أيضًا خصمًا للدول العربية حين تتعارض مصالحها مع مشروعها، استسهل جزء من الإعلام المصري تسويق خطاب “عدو عدوي صديقي”، وهذه واحدة من أكثر القواعد السياسية غباءً في الشرق الأوسط، لأن العدو الذي يهدد خصمك اليوم قد يهددك غدًا، بل قد يكون قد أهانك بالفعل من قبل، كما فعلت إيران مع مصر رمزيًا وسياسيًا مرات عدة.
وعندما يخرج اللواء المصري سمير فرج بتصريحه (الشعب المصري بالكامل يقف مع إيران) فهذا يعني أن ما لاحظناه من فرح المصريين بسبب الهجمات الإيرانية على الخليج تمثل الأغلبية الساحقة وليست أصواتا ناهقة قليلة كما يقول البعض.
لكن الأعمق من كل ذلك هو الإفلاس الاستراتيجي. فجزء من المصريين لا ينطلق في موقفه من معيار المصلحة المصرية أو العربية، بل من معيار الانفعال اللحظي.
لا يسأل: ماذا يعني تمدد إيران في الخليج؟ ماذا يعني تهديد الممرات البحرية والطاقة والاستقرار الإقليمي؟ ماذا يعني أن تُقصف دول عربية لأن على أراضيها قواعد أمريكية؟ ماذا تعني الحرب للعمالة المصرية وتدفق العملة الصعبة من الخليج على مصر؟ وكيف سينعكس أي تغير سلبي على الجنيه المصري المريض؟
لكن مع بداية التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب الواسعة في الشرق الأوسط، سيكشف الشعب المصري أن الحرب مكلفة وسترفع من أسعار “الفول والطعمية” وحينها سيكون من الصعب الحصول عليهما.
