عبدالله رشدي وإبستين

يواصل الداعية عبدالله رشدي ارتكاب نشر المغالطات حول الإلحاد والعلمانية في منشوراته التي تعد أقرب إلى التهريج من الخطاب العقلاني أو المنطقي.

ولكنه ليس الوحيد الذي لجأ إلى استغلال نشر وثائق إبستين لشن الهجوم على الإلحاد والعلمانية والليبرالية ومحاولة الربط بين جريمة يدينها العالم الغربي ويرفضها مع مفاهيم أخرى لا علاقة لها بها.

هذه المقالة لا تهدف إلى الهجوم الشخصي، بل إلى تفكيك منهجي للمغالطات، مدعومة بأدلة تاريخية وعلمية وإحصائية، لإعادة النقاش إلى مستوى الوقائع والعقل بدلاً من الوعظ والانفعال.

مغالطة «الإلحاد = العشوائية = انعدام الأخلاق»

يبدأ الخطاب الديني الشائع من فرضية خاطئة تقول أن الإلحاد يعني الاعتقاد بأن الكون “عشوائي تماماً”، وبالتالي لا يمكن أن ينتج منظومة أخلاقية موضوعية.

هذه مغالطة مركبة من ثلاثة أخطاء:

أولا تعريف خاطئ للإلحاد إذ أنه في أبسط تعريفه الفلسفي، هو مجرد موقف يعني عدم الإيمان بوجود إله أو آلهة.

لا يفرض الإلحاد نموذجاً كونياً محدداً، بعض الملحدين ماديون، وبعضهم يؤمن بقوانين طبيعية دقيقة، وبعضهم يتبنى فلسفات مثل الوجودية أو النفعية، أما نشأة الكون وتطوره شأن علمي (الانفجار العظيم، التطور، ميكانيكا الكم) وليس شأناً إيمانياً.

ثانيا خلط بين الاحتمالية العلمية والفوضى إذ أن العلم لا يقول إن الكون “عشوائي بلا نظام”، في هذا الإطار تتحدث ميكانيكا الكم عن احتمالية ضمن قوانين رياضية دقيقة جداً، وليست فوضى مطلقة.

أما التطور فهو عملية غير موجهة هادفة، لكنه ينتج نظاماً بيولوجياً معقداً، بما في ذلك التعاطف والتعاون الاجتماعي الذي يُعد أساس الأخلاق الطبيعية.

ثالثا الإدعاء بأن الاخلاق احتكار للدين، والحقيقة أنها لم تنشأ مع الأديان التوحيدية، حيث قبل الإسلام بآلاف السنين، طور اليونانيون (أرسطو، أفلاطون)، والصينيون (كونفوشيوس)، والهندوس (الدارما) والبوذيون منظومات أخلاقية عميقة قائمة على التعاطف، مبدأ الضرر (لا تؤذِ)، المنفعة المشتركة، والتعايش الاجتماعي.

اليوم، تثبت دراسات علم النفس التطوري (مثل أعمال فرانس دي وال وروبرت رايت) أن التعاطف والإنصاف غريزتان بيولوجيتان تطورتا لضمان بقاء الجماعة.

لذا لا يحتاج الإنسان إلى نص ديني ليرفض القتل أو الاغتصاب، يكفيه أن يتخيل نفسه مكان الضحية (مبدأ التبادلية الذهبي الذي سبق الأديان).

والواقع يشير إلى أن الدول الإسكندنافية العلمانية جداً (فنلندا، الدنمارك، السويد)، حيث نسبة الملحدين واللادينيين تفوق 50-70%، تُعد معدلات الجريمة العنيفة والفساد من الأدنى عالمياً، بينما نجد معدلات الجريمة في دول مثل مصر مرتفعة.

مغالطة «الإلحاد والعلمانية قتلا 60 مليون إنسان»

هذا الإدعاء الشائع (غالباً ما يُنسب إلى ستالين وماو وهتلر) من أكثر الشعارات تكراراً وأقلها دقة وانتشارا على الإطلاق في الخطاب الإسلامي، وقد عملنا سابقا على تفكيك أسطورة الإلحاد سبب أكبر المجازر عبر التاريخ

تعد الشيوعية (ستالين وماو) أيديولوجية سياسية شمولية قائمة على الطبقية والدولة المطلقة، وليست “إلحاداً فلسفياً”، وقد اضطهد ستالين الملحدين الحقيقيين أيضاً ممن عارضوا النظام، بينما هتلر لم يكن ملحداً إذ كان يستخدم الخطاب المسيحي ويؤمن بنوع من “العناية الإلهية” الآرية وكان معجبا بالعنف في الإسلام حيث أراد جلبه إلى المسيحية التي تخلصت منه.

بالمقابل، التاريخ مليء بمجازر دينية صريحة من الحروب الصليبية (مليون قتيل تقريباً)، ومحاكم التفتيش، حروب الثلاثين عاماً في أوروبا (8 ملايين قتيل)، مذابح الهندوس والسيخ في العصر المغولي، والحروب الإسلامية التي سميت بالفتوحات ومجازرها العنيفة في الهند وشمال أفريقيا، وجرائم الدولة العثمانية بحق الأكراد والارمن، ومجازر الطائفية في العراق وسوريا ولبنان باسم الطوائف الدينية، ومجازر داعش وطالبان والإخوان في العصر الحديث.

كل تلك الحروب الدينية كانت فعلا لأجل فرضه على الناس، سواء باسم يسوع والإنتقام من اليهود المتهمين بقتله أو باسم الله واعلاء لكلمته.

القتل الجماعي يحدث عندما تُقدَّس السلطة (سواء كانت دينية أو أيديولوجية) ويُحرم الفرد من قيمته، العلمانية، بفصل الدين عن الدولة، تقلل من هذا الخطر بتوزيع السلطة وفرض رقابة ديمقراطية.

مغالطة «جيفري إبستين = الإلحاد والعلمانية»

يستخدم رشدي وغيره قضية جيفري إبستين (شبكة الاستغلال الجنسي للقاصرات) كدليل على انحلال العلمانية وهذه قفزة منطقية فجة.

إبستين لم يكن داعية إلحاد، ولم يبرر جرائمه بفلسفة إلحادية، إذ كان رجل أعمال فاسداً استغل ثروته وعلاقاته في النخبة (سياسيين، أثرياء، بعضهم متدينون).

الشبكة كُشفت وفُضحت وتحققت معها في مجتمعات علمانية لديها حرية صحافة وقضاء مستقل (الولايات المتحدة)، وقد أدين وسجن بل وانتحر في السجن.

السؤال الذي يجب أن يطرحه أمثال عبد الله رشدي هو كم من الجرائم الجنسية والاستغلال الذي يُحمى في المجتمعات الدينية باسم “الستر” و”الحفاظ على سمعة الدين”؟

في العالم العربي والإسلامي، توجد فضائح متكررة لشيوخ ودعاة وأئمة مساجد ومدارس دينية متهمين بالاعتداء الجنسي على الأطفال والنساء، وغالباً ما تُطوى تحت السجادة بحجة “الستر” أو “الفتنة”.

وفي الساعات الماضية شهدت مصر جدلا كبيرا بسبب واقعة التحرش بفتاة الاتوبيس، وقد رأينا أمثال عبدالله رشدي من الشيوخ والمتدينين الذين يعيبون عليها ملابسها ويحملونها المسؤولية فيما تعرضت له.

ولأنه لا يناقش الإلحاد ولا العلمانية بل يخوّف منهما، يحتكر عبدالله رشدي وأمثاله الأخلاق وكأنها ملكية دينية حصرية، مع أن التاريخ والعلم يثبتان أن الأخلاق تنشأ من الطبيعة البشرية والعقل والتجربة الاجتماعية.

الأخلاق لا تُقاس بعدد الآيات والأحاديث، بل بمدى قدرة المجتمع على حماية كرامة الإنسان من الاستبداد والاستغلال سواء كان استبداداً دينياً أم سياسياً.

الدول الأكثر سعادة في العالم (تقرير السعادة العالمي السنوي) هي الدول العلمانية الإسكندنافية. الدول الأقل فساداً (مؤشر مدركات الفساد) هي دول علمانية متقدمة. الدول الأكثر ابتكاراً وحرية هي الأقل تديناً، بينما إلى الآن لم نرى دولة دينية واحدة ناجحة في العالم بل إن أفغانستان التي تطبق الشريعة قد لجأت إلى تقسيم المجتمع إلى أسياد وعبيد (الرعية) وشرعت تجارة العبيد.