
أصبح طرد روسيا من فنزويلا أمرا واقعا بعد اعتقال مادورو من قبل القوات الأمريكية التي صنفته على أنه ديكتاتور ورئيس عصابة تصدر للولايات المتحدة المخدرات ونجاح الرئيس ترامب حتى الآن في فرض رؤيته بهذا البلد اللاتيني.
تُعدّ فنزويلا من أبرز الأمثلة على كيف يُمكن للنفط أن يُحوّل أزمةً وطنيةً إلى صراعٍ عالمي، تمتلك البلاد بعضًا من أكبر احتياطيات النفط المؤكدة في العالم، لكن سنواتٍ من سوء الإدارة والفساد والعقوبات جرّت اقتصادها إلى أزمةٍ عميقة.
في الأشهر الأخيرة، اتخذت الولايات المتحدة خطواتٍ أكثر حزمًا للتأثير على ما سيحدث لاحقًا، دعمت واشنطن التغيير السياسي في كاراكاس، بينما سعت في الوقت نفسه إلى توجيه مسار النفط الخام الفنزويلي وتحديد المستفيدين منه.
أشارت السلطات والمحاكم الأمريكية إلى ضرورة أن تتبع الصادرات مساراتٍ وصفقاتٍ تتوافق مع المعايير القانونية والأمنية الأمريكية، حتى أنها قامت بمصادرة أو استهداف ناقلات النفط التي تُخالف هذه القواعد.
في الوقت نفسه، شجّع المسؤولون الأمريكيون القيادة المؤقتة الجديدة في فنزويلا على فتح الأبواب أمام الشركات والمستثمرين الأمريكيين للمساعدة في إعادة بناء قطاع النفط، مع وعدٍ بتقديم مساعداتٍ اقتصاديةٍ في المقابل.
بالنسبة لواشنطن، لا يقتصر الأمر على استقرار اقتصادٍ مُنهارٍ فحسب، بل يتعداه إلى ضمان عدم انجراف دولةٍ تمتلك احتياطياتٍ ضخمةٍ بالكامل إلى معسكر خصمٍ لها.
عندما قُطعت فنزويلا عن العالم الخارجي من قِبل العديد من الجهات الغربية، تدخلت روسيا، حيث تعاونت الشركات والتجار الروس مع شركة النفط الحكومية الفنزويلية لنقل النفط الخام عبر ما يُسمى بـ”الأسطول الخفي” المؤلف من سفن قديمة، ومسارات طويلة، وإجراءات معقدة تُصعّب عملية التتبع. كانت هذه وسيلةً لكلا البلدين للحفاظ على تدفق الأموال، ولتعزيز نفوذ موسكو في محيط الولايات المتحدة.
والآن، مع تشديد الولايات المتحدة قبضتها على نفط فنزويلا، أصبحت تلك الاستثمارات الروسية وروابط الشحن أكثر عرضةً للخطر، فخسارة هذه المواقع ستضر بصورة موسكو وجهودها الأوسع نطاقًا لإيجاد حلول بديلة للالتفاف على العقوبات الغربية.
لذا، فإن فنزويلا ليست مجرد دولة نفطية تعاني على الخريطة، بل هي ساحة منافسة حقيقية، حيث تتنافس واشنطن وموسكو على إمدادها بالنفط.
بالنظر إلى الوضع في فنزويلا، يتضح هدفٌ واضح، تسعى الولايات المتحدة إلى الحدّ من عائدات روسيا من النفط، لا سيما بعد غزوها لأوكرانيا، يُشكّل النفط والغاز ركيزة أساسية في ميزانية موسكو، ويُموّلان جزءًا كبيرًا من إنفاقها العسكري.
ولتقليص هذه العائدات دون إحداث صدمة عالمية في قطاع الطاقة، وضعت الولايات المتحدة وحلفاؤها نظامًا لتحديد سقف أسعار النفط الخام الروسي.
لا يزال بإمكان المشترين استيراد النفط الروسي، ولكن في حال رغبتهم في استخدام سفن أو تأمين أو تمويل غربي، فهناك حدٌ أقصى لما يُمكنهم دفعه للبرميل، الفكرة هي ضمان استمرار تدفق النفط حتى لا تُصاب الأسواق بالذعر، مع تقليص أرباح روسيا من كل عملية بيع.
علاوة على ذلك، فرضت واشنطن عقوباتٍ مُتعددة على شركات النفط الروسية، ومئات ناقلات النفط، ومُقدّمي الخدمات الرئيسيين.
يواجه أي شخص يرغب في نقل أو تأمين النفط الروسي الآن سلسلةً من المخاطر القانونية والمالية، عمليًا، تُعدّ هذه محاولةً لإيقاف جهود روسيا في بناء شبكة طاقة موازية قادرة على العمل بكفاءة خارج الأنظمة الغربية.
كل هذا لن ينجح إلا إذا تعاون أكبر مستوردي النفط في العالم، أو على الأقل لم يُقوّضوا النظام بشكلٍ فعلي، فإذا استمرّ كبار المستوردين في استيراد كميات كبيرة من النفط الخام الروسي بأسعار مقبولة لدى موسكو، فلن يتوقف تدفق الأموال كما تأمل واشنطن ولهذا السبب تحديدًا تُسلّط الأضواء على الهند.
تحتل الهند موقعاً صعباً ولكنه قوي في هذه القصة. فهي دولة سريعة النمو ذات تعداد سكاني ضخم وحاجة مستمرة للطاقة، عندما خفضت العديد من الدول الغربية مشترياتها من النفط الروسي في عام 2022، بدأت موسكو بتقديم نفطها الخام بخصومات كبيرة.
منذ ذلك الحين، أصبحت الهند من أكبر مشتري النفط الخام الروسي المنقول بحراً، حيث تستورد في بعض الأحيان كميات تفوق بكثير ما كانت تستورده قبل الحرب.
تقوم المصافي الهندية بتكرير هذا النفط، وفي بعض الحالات، تبيع الوقود المكرر، مثل الديزل والبنزين، إلى أسواق أخرى، بما في ذلك الأسواق الغربية.
ولتسهيل عمليات الدفع، جرب الجانبان ترتيبات قائمة على الروبية الهندية، وغيرها من الأساليب التي تقلل من دور الدولار الأمريكي والبنوك الغربية.
بالنسبة لنيودلهي، تبدو الحسابات بسيطة: انخفاض أسعار النفط يساعد في ضبط أسعار الوقود المحلية، ويدعم النمو، ويخفف الضغط على المالية العامة، كما يؤكد القادة الهنود رغبتهم في “الاستقلال الاستراتيجي” أي حرية اتخاذ القرارات بناءً على المصالح الهندية بدلاً من الانحياز إلى طرف في صراعات خارجية.
في واشنطن، تبدو الصورة مختلفة تماماً، إذ يرى المشرعون والمسؤولون الأمريكيون أن عمليات الشراء واسعة النطاق للنفط الخام الروسي بأسعار مخفضة تخفف من وطأة العقوبات، من خلال الحفاظ على حجم صادرات روسيا مرتفعاً وتدفقاتها النقدية مستقرة، بالنسبة لهم، كل شحنة إضافية متجهة إلى مصفاة هندية هي وسيلة أخرى لتمويل ميزانية الحرب الروسية.
لقد تصاعد هذا التوتر إلى مستويات أكثر خطورة. إذ تركز حملة أمريكية جديدة، بدعم من الرئيس دونالد ترامب، على تشريع يسمح بفرض رسوم جمركية تصل إلى 500% على الواردات من الدول التي يُنظر إليها على أنها تساعد روسيا في التهرب من عقوبات الطاقة وسقف أسعار النفط. وتُعتبر الهند والصين على نطاق واسع الدولتين الرئيسيتين المستهدفتين.
وقد حذر مسؤولون وسياسيون أمريكيون علنًا من أنه إذا استمرت الهند في شراء النفط الروسي بطرق تعتبرها واشنطن تقويضًا لسقف الأسعار، فقد تتعرض الصادرات الهندية إلى الولايات المتحدة لرسوم جمركية جديدة باهظة.
ويصف محللون في الهند هذا بأنه “صدمة جمركية” محتملة قد تقضي على جزء كبير من المكاسب الاقتصادية من شراء النفط الخام الروسي الرخيص، وذلك من خلال الإضرار بقطاعات أخرى تعتمد على الوصول إلى السوق الأمريكية.
وبعبارة أخرى، تحاول الولايات المتحدة تغيير معادلة الهند: النفط الرخيص من جهة، وخطر فرض رسوم جمركية باهظة واحتكاكات تجارية من جهة أخرى. أما الهند، فتؤكد باستمرار على ضرورة التفكير أولًا في توفير طاقة بأسعار معقولة لشعبها، وأنها لن تفوض هذه القرارات إلى جهات خارجية.
