
هل تعرّضت حضارة قديمة على المريخ لإبادة نووية؟ تشير بعض النظريات العلمية التي لم تثبت بعد علميا إلى أن المريخ كان كوكبا صالحا للحياة وقد استوطنته حضارة متقدمة قبل أن يتعرض الكوكب لحدث كبير أنهى تلك الحضارة.
السؤال أعيد إحياؤه بقوة بعد انتشار مقاطع وحلقات بودكاست تناولت نظرية الباحث جون براندنبورغ، الذي طرح منذ سنوات فرضية تقول إن علامات كيميائية في الغلاف الجوي والتربة على المريخ قد تكون بقايا انفجار نووي حراري هائل قضى على كائنات أو “حضارات” قديمة في مناطق مثل سايدونيا ويوتوبيا.
لكن المشكلة أن هذه القصة، رغم جاذبيتها الصادمة، ما تزال تقف خارج التيار العلمي السائد، وتواجه اعتراضات قاسية من المجتمع العلمي.
انفجارات نووية في المريخ
نشر جون براندنبورغ أعمالًا ومحاضرات منذ أكثر من عقد حول ما اعتبره “أدلة” على انفجارات نووية ضخمة وقعت في ماضي المريخ.
في أوراقه وملخصاته البحثية، ربط بين ارتفاعات غير عادية في بعض النظائر مثل زينون-129 وبين احتمال وقوع حدث حراري نووي هائل غيّر مناخ المريخ وربما دمّر حياة متقدمة عليه.
بعض هذه الأعمال نُشر فعلًا في الدوريات أو في ملخصات مؤتمرات علمية، لكن ليس في مجلات رفيعة التأثير تجعل الفرضية مقبولة علميًا على نطاق واسع.
ما الذي يستند إليه أنصار النظرية؟
الركيزة الأساسية في هذه الفرضية هي الحديث عن الزينون-129 في الغلاف الجوي للمريخ.
بيانات ناسا القديمة والحديثة تؤكد فعلًا أن نسبة بعض نظائر الزينون على المريخ غير عادية مقارنة بالأرض وبعض الأجسام الأخرى، وهذه ملاحظة معروفة منذ بعثات فايكنغ في السبعينيات.
لكن أنصار براندنبورغ قفزوا من هذه الملاحظة إلى استنتاج شديد الدرامية: أن هذا “الأثر النظائري” يشبه بقايا انفجار نووي.
أين يعترض العلماء؟
ناسا نفسها تحدثت عن أن كيمياء الغلاف الجوي للمريخ أكثر تعقيدًا بكثير من السرديات السهلة، وأن عناصر ونظائر معينة يمكن أن تنتج عن تفاعلات بين القشرة والجو أو عن ارتطامات سطحية أو عن تحرر غازات من الصخور والتربة، لا عن حرب نووية بين حضارات فضائية.
كما أن العلماء المنتقدين لهذه الفرضية يشيرون إلى غياب ما هو أبسط من النظائر: لا توجد حفرة انفجار واضحة، ولا آثار مادية حاسمة، ولا سلسلة أدلة مستقلة تثبت وقوع ضربة نووية صناعية على الكوكب الأحمر.
منطقة سايدونيا
اسم سايدونيا يعود دائمًا كلما ظهرت هذه النظرية، لأن المنطقة ارتبطت قديمًا بصور شهيرة أوحت للبعض بوجود “وجه” أو آثار معمارية على سطح المريخ.
لكن ناسا أوضحت مرارًا أن هذه الانطباعات ناتجة عن خداع بصري تسببه تضاريس السطح وزوايا الإضاءة، وليس عن مدن مدمرة أو تماثيل عملاقة لحضارة منقرضة.
ومع ذلك، ما تزال سايدونيا تؤدي دور المسرح المثالي لكل فرضية جامحة عن مريخ كان مأهولًا ثم تعرض لإبادة كونية.
حضارة حية على المريخ سابقا
الفرضية خرجت مجددًا إلى الضوء بعد تداولها في حلقات بودكاست، أبرزها حلقة مع جايسون رضا جورجاني على Danny Jones Podcast، حيث جرى عرض الفكرة بوصفها “أدلة مقلقة” على وجود حياة ذكية سابقة على المريخ انتهت بكارثة نووية.
هذا النوع من المنصات لا يصنع علمًا، لكنه يصنع انتشارًا هائلًا، خصوصًا حين يجمع بين الفضاء، والـCIA، والرؤية عن بعد، والحضارات الضائعة
ماذا عن الـCIA و”الرؤية عن بعد”
بعض المروجين للقصة ربطوا بين فرضية براندنبورغ ووثائق قديمة مرتبطة ببرنامج الرؤية عن بعد الذي موّلته جهات أمريكية في الحرب الباردة، وهي تجارب مثيرة للجدل زعمت استكشاف أماكن وأزمنة عبر قدرات ذهنية غير مثبتة علميًا.
لكن وجود هذه الوثائق أو التجارب لا يعني أن الحكومة الأمريكية أكدت وجود حضارة مريخية أو حرب نووية هناك، هذا الربط هو بالأساس جزء من التغليف الدرامي للنظرية أكثر من كونه برهانًا علميًا قائمًا بذاته.
هل نحن أمام اكتشاف علمي أم خرافة حديثة؟
لا يوجد دليل علمي مقبول يثبت أن حضارة على المريخ دُمّرت بضربة نووية، الموجود هو فرضية هامشية، تستند إلى ملاحظات كيميائية حقيقية جرى تحميلها استنتاجات ضخمة لا يوافق عليها معظم العلماء.
الملاحظة العلمية هنا موجودة، لكن القفزة من “اختلال نظائري” إلى “مجزرة كوكبية نووية” هي قفزة هائلة لا يسندها الإجماع العلمي.
