
بعد ثمانية أشهر من عملية عسكرية أمريكية انتهت بأسر الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، توصلت واشنطن إلى اتفاق يجعلها طرفًا ماليًا مباشرًا في نفط فنزويلا، صاحبة أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة على وجه الأرض بعد السعودية.
وبموجب الترتيب الذي كشف البيت الأبيض تفاصيله في الأول من سبتمبر، سيملك مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع للبنتاغون حصة قدرها 35% في الشركة الأم لـNorth American Blue Energy Partners المعروفة اختصارًا باسم NABEP، وهي شركة خاصة يسيطر عليها رجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكورت، وحصلت على امتيازات تمتد 100 عام في 17 حقلًا نفطيًا تضم نحو 65 مليار برميل.
كما ضمنت واشنطن حق النقض على مجلس إدارة NABEP، وحقوق أولوية لشراء معظم ما تنتجه الشركة. ويعد هذا ترتيبًا غير مسبوق بالنسبة إلى دولة لم تمتلك، على خلاف الصين أو السعودية أو روسيا، شركة نفط وطنية. ولا يزال المحامون والاقتصاديون وحتى أعضاء في الكونغرس يحاولون معرفة ما إذا كان الاتفاق قانونيًا، وقابلًا للاستمرار، وحكيمًا من الأساس.
اعلان صفقة نفط فنزويلا مع الولايات المتحدة
في الأول من سبتمبر، نشر البيت الأبيض ورقة حقائق تضمنت تفاصيل إضافية عن اتفاق النفط الذي كان الرئيس دونالد ترامب قد وصفه في الأسبوع السابق بأنه «أكبر صفقة نفط في التاريخ»، وفقًا لما أوردته بلومبرغ وNBC News.
وبحسب الهيكل المتفق عليه، تمتلك NABEP، التي يملك بيتانكورت الحصة الأكبر فيها، عقود إيجار تمتد 100 عام على حقول تتركز في بحيرة ماراكايبو وحزام أورينوكو. ويملك مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع للبنتاغون 35% من الشركة الأم لـNABEP.
كما حصلت واشنطن على حق النقض بشأن تعيين أعضاء مجلس إدارة NABEP، مع اشتراط أن تكون أغلبية أعضاء المجلس من المواطنين الأمريكيين، إضافة إلى حق أولوية لشراء نحو 80% من إنتاج المشروع بسعر التكلفة، فوق حق منفصل لوزارة الخارجية الأمريكية في الحصول على 20% من إنتاج الحقول الحالية والمستقبلية.
وتعهدت NABEP باستثمار ما يصل إلى 100 مليار دولار في البنية التحتية النفطية الفنزويلية، ويُتوقع، وفقًا للبيت الأبيض، أن تحقق لخزينة كاراكاس نحو 200 مليار دولار من الضرائب والإتاوات خلال 25 عامًا.
وبحسب تقارير لرويترز نقلها موقع Investing.com وصحيفة Boston Globe، تولى وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث التفاوض على الاتفاق من الجانب الأمريكي، بينما تولت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز التفاوض من الجانب الفنزويلي.
شيفرون تعلن صفقة فنزويلا بـ7 مليارات دولار
في تطور منفصل لكنه مرتبط بإعادة فتح قطاع الطاقة الفنزويلي أمام الشركات الأمريكية، أعلنت شركة شيفرون صفقة بقيمة 7 مليارات دولار لتوسيع عملياتها في فنزويلا، وفقًا للتقارير المتداولة بشأن الاتفاق.
وتأتي الصفقة في وقت تحاول فيه واشنطن إعادة تنظيم قطاع النفط الفنزويلي وجذب استثمارات غربية جديدة بعد سنوات من العقوبات وتراجع الإنتاج. ومن المتوقع أن تركز شيفرون على إعادة تأهيل الحقول القائمة، وتطوير البنية التحتية اللازمة للإنتاج والنقل والتكرير، بما يسمح بزيادة صادرات النفط تدريجيًا.
وتمنح الصفقة شيفرون موقعًا متقدمًا في السوق الفنزويلية، لكنها لا تعني بالضرورة أن الشركة أصبحت جزءًا من هيكل NABEP أو أنها حصلت على الحصة نفسها التي يملكها مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع للبنتاغون. كما أن تفاصيل الملكية، وآلية التمويل، والجدول الزمني للاستثمار، وشروط تصدير الإنتاج، لا تزال بحاجة إلى توضيح كامل.
وتشير الصفقة إلى أن شركات الطاقة الكبرى قد تكون مستعدة للعودة إلى فنزويلا رغم المخاطر السياسية والقانونية، إذا حصلت على ضمانات أمريكية كافية بشأن العقوبات وحقوق التشغيل وتحويل الأرباح. لكنها في الوقت نفسه تبرز التباين بين نموذج شيفرون القائم على الاستثمار والتشغيل التجاري، ونموذج NABEP الذي يمنح الحكومة الأمريكية حصة ملكية مباشرة وحقوقًا واسعة في الإدارة والشراء.
تداعيات اعتقال مادورو
في أوائل يناير 2026، أسرت القوات الأمريكية مادورو في غارة وصفها ترامب بأنها أنهت سنوات من المواجهة المرتبطة باتهامات «الإرهاب المرتبط بالمخدرات». ومنذ ذلك الحين، تحكم رودريغيز، التي كانت سابقًا نائبة لمادورو، البلاد بصفتها رئيسة مؤقتة.
وكان قطاع النفط الفنزويلي، الذي جرى تأميمه عام 2007 وتضرر لاحقًا بفعل العقوبات وسوء الإدارة وانهيار إنتاج شركة النفط الحكومية PDVSA، قد بقي إلى حد كبير خارج حسابات شركات الطاقة الغربية الكبرى طوال عقد.
وسبق لترامب أن طرح فكرة إعادة فتح فنزويلا أمام شركات الطاقة الأمريكية. كما ذكرت NPR وواشنطن بوست خلال الربيع أن مسؤولين كانوا يتفاوضون بالفعل على الوصول إلى الحقول، حتى قبل حسم تفاصيل الملكية.
وتبدو ورقة الحقائق الصادرة في الأول من سبتمبر محاولة من واشنطن لتحويل واقع سياسي سريع التغير، يتمثل في وجود حكومة صديقة في كاراكاس لكنها ضعيفة الشرعية، إلى أداة اقتصادية طويلة الأمد تمتد لعقود، قبل أن تغلق النافذة السياسية الحالية.
من هم اللاعبون الرئيسيون في صفقة فنزويلا؟
تسعى إدارة ترامب إلى الحصول على جائزتين في آن واحد: المكسب الاستراتيجي المتمثل في السيطرة على احتياطيات نفطية تفوق إجمالي الاحتياطيات الأمريكية المؤكدة، إلى جانب تسجيل مكسب جيوسياسي واضح.
وبحسب تعبير ترامب، تريد واشنطن ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي، ومنع الصين وروسيا، اللتين كانتا من أبرز داعمي مادورو، من الحفاظ على موطئ قدم في أكبر مخزون نفطي في نصف الكرة الغربي.
أما أليخاندرو بيتانكورت لوبيز، مالك الحصة الأكبر في NABEP، فيمثل اختيارًا مثيرًا للجدل، فقد ربط تحقيق Openlux التابع لمشروع OCCRP اسمه بهياكل أوفشور مسجلة في لوكسمبورغ ومرتبطة بتحقيق أوسع في الفساد الفنزويلي.
كما أفاد كل من World Politics Review وCuba Headlines بأنه خضع لتحقيقات مرتبطة بغسل الأموال في سويسرا وإسبانيا، وأوقف مرتين في المملكة المتحدة عام 2025 بموجب مذكرتين منفصلتين، رغم عدم توجيه اتهامات جنائية إليه في نهاية المطاف.
ويفيد World Politics Review بأن إدارة ترامب ضغطت على سويسرا لإغلاق قضيتها ضده، كما مارست ضغوطًا على المملكة المتحدة لرفع قيود السفر المفروضة عليه. وإذا صحت هذه الادعاءات، فإنها تربط التدخلات القانونية للحكومة الأمريكية مباشرة بالرجل الذي بات يحمل الآن امتيازات النفط.
في المقابل، تصر الحكومة المؤقتة برئاسة ديلسي رودريغيز على أنها تحتفظ بالسيادة. وقالت رودريغيز، وفقًا لقناة الجزيرة: «تحتفظ فنزويلا بملكية وسيادة مواردها»، رغم أنها منحت عقد إيجار يمتد قرنًا كاملًا وحصص ملكية لحكومة أجنبية.
ووصف الاقتصادي في جامعة هارفارد ريكاردو هاوسمان، الذي يتابع الشأن الفنزويلي منذ سنوات طويلة، الاتفاق بأنه «مخزٍ»، وقال إن رودريغيز «لا تملك الشرعية ولا السلطة الدستورية لإلزام فنزويلا» بترتيب يمتد 100 عام.
ويتبنى نواب ديمقراطيون موقفًا مشابهًا، إذ نقلت NBC News عنهم وصفهم التسلسل المتمثل في أسر مادورو ثم الحصول على حقوق نفط تمتد قرنًا بأنه «فساد على نطاق هائل».
أما شركات النفط الأمريكية الكبرى، وفي مقدمتها Exxon Mobil وConocoPhillips، فقد بقيت حتى الآن بعيدة عن الصفقة.
وأفادت رويترز بأن عددًا من المنتجين الراسخين يرون «إشارات حمراء» في هيكل الاتفاق وفي التاريخ القانوني لبيتانكورت، حتى مع قول ترامب إن إكسون ستعود في نهاية المطاف إلى فنزويلا.
اقرأ أيضا: الهند في قلب حرب النفط بعد طرد روسيا من فنزويلا
أهمية صفقة فنزويلا
اقتصاديًا
هذه هي المرة الأولى التي تمتلك فيها الحكومة الفيدرالية الأمريكية حصة ملكية مباشرة في كيان كبير لإنتاج النفط، في تحول عن نهج استمر قرنًا تقريبًا واعتمدت خلاله واشنطن على شركات خاصة مثل Exxon وChevron لتمثيل المصالح الأمريكية في قطاع الطاقة خارج البلاد.
ويشكك محللو الطاقة الذين نقلت عنهم NPR في قدرة الاتفاق على التحرك بالسرعة أو التكلفة الكافيتين للتأثير في أسعار البنزين على المدى القريب، إذ إن معظم الحقول الـ17 غير مطورة أصلًا.
كما أن حقوق الشراء «بسعر التكلفة» لا تبدو جذابة جدًا للمستثمرين الذين اعتادوا تحقيق الأرباح من ارتفاعات الأسعار.
دبلوماسيًا وقانونيًا
يعتمد الترتيب بالكامل على شرعية الحكومة المؤقتة برئاسة رودريغيز، التي وصلت إلى السلطة نتيجة عملية عسكرية أمريكية، لا عبر انتخابات.
وإذا قررت حكومة فنزويلية مستقبلية، سواء جاءت عبر الانتخابات أو بأي طريقة أخرى، أن رودريغيز لم تكن تملك السلطة الدستورية التي تخولها التنازل عن حقوق نفطية تمتد قرنًا كاملًا، فقد ينهار الاتفاق.
وسيعرض ذلك واشنطن لنفس مخاطر المصادرة التي دفعت شركات النفط الغربية الكبرى إلى الخروج من فنزويلا في المقام الأول.
إقليميًا وعالميًا
يبعث الاتفاق برسالة إلى الدول الغنية بالموارد الطبيعية، ولا سيما تلك التي استخدمت الولايات المتحدة القوة ضدها أو هددت باستخدامها، مفادها أن تغيير النظام قد يعقبه حصول أمريكي مباشر على حصص ملكية في الموارد الطبيعية.
وهو سابقة ستراقبها عن كثب حكومات إقليمية تمتد من بوليفيا إلى العراق.
وفي الوقت نفسه، يزيل الاتفاق، في الوقت الراهن على الأقل، موطئ قدم كانت الصين وروسيا تحتفظان به في قطاع الطاقة الفنزويلي خلال عهد مادورو.
اقرأ أيضا: نفط فنزويلا الرديء يختبر أكبر منتج للنفط في العالم
ما الذي نعرفه وما الذي لا نعرفه؟
مؤكد
يمتلك مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع للبنتاغون حصة قدرها 35% في الشركة الأم لـNABEP.
وتملك NABEP امتيازات تمتد 100 عام على 17 حقلًا تحتوي على نحو 65 مليار برميل من الاحتياطيات.
كما تتمتع واشنطن بحق النقض على مجلس الإدارة وحقوق أولوية في شراء الإنتاج.
وقد تفاوض روبيو وهيغسيث مع حكومة رودريغيز بشأن الصفقة، وفقًا لبلومبرغ وNBC News ورويترز عبر Investing.com.
مذكور في التقارير
تعهد NABEP باستثمار 100 مليار دولار، مع توقع تحقيق نحو 200 مليار دولار من الضرائب والإتاوات لصالح كاراكاس خلال 25 عامًا، بحسب ورقة حقائق البيت الأبيض التي استشهدت بها NBC News وBusiness Standard.
كما توجد تقارير عن ضغوط مزعومة مارستها إدارة ترامب على السلطات السويسرية والبريطانية لصالح بيتانكورت، وفقًا لـWorld Politics Review.
هناك خلاف حول ما إذا كانت الحكومة المؤقتة برئاسة رودريغيز تملك السلطة الدستورية التي تسمح لها بإلزام فنزويلا باتفاق يمتد قرنًا كاملًا، بين موقف هاوسمان وموقف رودريغيز.
كما يوجد خلاف حول ما إذا كان الاتفاق يمثل استثمارًا مشروعًا، أم أنه، بحسب اتهامات منتقدين ديمقراطيين، استخراج للموارد جاء بعد عملية أمريكية أسفرت عن أسر مادورو.
ولا يزال مجهولًا كيف ستتعامل حكومة فنزويلية مستقبلية مع هذه الامتيازات، وما إذا كان الكونغرس سيفرض دورًا رقابيًا بالنظر إلى امتلاك البنتاغون حصة مباشرة في المشروع.
اقرأ أيضا: كيف دمرت أمريكا الدفاعات الجوية الروسية في فنزويلا بسرعة؟
