
تتحرك سلطنة عمان في الحرب الجارية على إيران والخليج وفق سياسة قديمة في الشكل، لكنها شديدة الأهمية في هذا التوقيت حيث من المهم أن تبقى القنوات مفتوحة بين الأطراف المتحاربة.
هذه السياسة عادت إلى الواجهة بقوة بعد إعلان نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي أن طهران تعمل مع مسقط على صياغة بروتوكول مشترك للإشراف على حركة العبور في مضيق هرمز، موضحًا أن الهدف وفق الرواية الإيرانية هو تسهيل المرور وضمان السلامة وتقديم خدمات أفضل للسفن، لا فرض قيود جديدة.
السياسة العمانية الخارجية
ما يميز السياسة العُمانية في هذه الحرب أن مسقط لا تقدم نفسها كجزء من محور هجومي ضد إيران، ولا كحليف اندفاعي لطهران في وجه الخليج والولايات المتحدة، بل كدولة تريد إبقاء القنوات مفتوحة مع الجميع.
وهذا ليس موقفًا جديدًا طارئًا، بل جزء من عقيدة دبلوماسية عُمانية أقدم تقوم على عدم المواجهة، والتوازن بين الخصوم، والحفاظ على مسافة من سياسات الاستقطاب.
لقد بنت عُمان منذ عقود سياسة خارجية قائمة على الحياد والتيسير والحوار، مع علاقات متنوعة تشمل إيران، والغرب، ودول الخليج، ودولًا غير منحازة، وأن هذا ما جعلها تلعب في 2025 و2026 أدوارًا بارزة كقناة خلفية للوساطة.
وفي هذا السياق، كانت عُمان قد استضافت أو أكدت بالفعل جولات من المحادثات الأمريكية الإيرانية قبل انفجار الحرب، حيث ذكرت رويترز في فبراير 2026 أن وزير الخارجية العُماني أكد انعقاد محادثات بين واشنطن وطهران، كما ذكرت في تقارير أخرى أن مسقط استضافت أو سهلت هذه القنوات حتى وقت قريب من التصعيد.
سلطنة عمان شريك مميز لإيران
الجديد الآن أن دور عُمان لم يعد مقتصرًا على التوسط السياسي، بل امتد إلى التنسيق البحري المباشر مع إيران حول إدارة المرور في المضيق.
هذا التحول يعكس موقع السلطنة الجغرافي الفريد؛ فهي ليست فقط دولة خليجية معتدلة سياسيًا، بل دولة تطل مباشرة على مدخل مضيق هرمز، ما يمنحها أهمية بنيوية في أي ترتيبات تخص أمن الملاحة والعبور.
ولهذا، فإن البروتوكول الذي تتحدث عنه إيران مع عُمان ليس تفصيلًا إداريًا، بل اعتراف ضمني بأن مسقط طرف لا يمكن تجاوزه في أي هندسة جديدة لحركة السفن في الخليج.
فإيران قد تملك القدرة على التعطيل والضغط داخل المضيق، لكنها تحتاج إلى شريك يملك الشرعية الجغرافية والدبلوماسية لتغليف أي ترتيبات بصيغة أقل صدامية وأكثر قابلية للتسويق الدولي، وعُمان، بحكم تاريخها وموقعها وعلاقاتها، تبدو المرشح الطبيعي لهذا الدور.
لماذا تتمسك عُمان بهذه السياسة؟
كلما ارتفع التوتر في الخليج، ارتفعت أيضًا مخاطر تعطّل التجارة والطاقة والنقل البحري، وتزايد خطر انزلاق الحرب إلى جوارها المباشر، ولهذا يبدو الموقف العُماني قائمًا على ثلاثة أهداف واضحة:
أولًا، منع تحويل الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة بلا قواعد.
ثانيًا، حماية الملاحة الدولية ومكانة عُمان الجغرافية والاقتصادية.
ثالثًا، الإبقاء على دورها كوسيط لا كطرف.
وعادة ما تفضل سلطنة عُمان ما يسميه خبراء العلاقات الدولية “الدبلوماسية الهادئة”، أي العمل بعيدًا عن الضجيج الإعلامي، مع الحفاظ على الثقة لدى الأطراف المتخاصمة، وهذا بالضبط ما تفعله اليوم: لا تصرخ، لا تصطف، لكنها تتحرك حيث يمكنها أن تمنع الانهيار الكامل.
هل ما تزال عُمان وسيطًا مقبولًا للجميع؟
رفضت سلطنة عمان إدانة العدوان الإيراني الذي تعرضت له أو حتى الإعتراف بأنه من إيران، وقد عرضها لانتقادات واسعة من مسؤولين أمريكيين كما أن هناك أصوات خليجية في الإمارات والسعودية والتي ترى أن السياسة العمانية فشلت وينبغي دعم جهود الأمريكيين للقضاء على الجار العدواني.
وتشهد منصة اكس حملة خليجية واسعة في الساعات الماضية على سلطنة عمان ووصفها بالدولة الخائنة خصوصا بعد انتشار الأخبار التي تفيد بأنها ستتعاون مع إيران في مسألة إدارة مضيق هرمز.
لقد تراجعت سلطنة عمان نسبيًا بعد تعرضها لانتقادات علنية من مسؤولين أمريكيين، فيما ظهرت وساطات أخرى موازية، ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن مسقط خرجت من الصورة، بل يعني أن دورها بات أكثر صعوبة في ظل التصعيد، لا أقل أهمية.
