حجم الإقتصاد الأميركي 21 تريليون دولار، وحجم الدين العام الأميركي 36 تريليون دولار، ومن الوهلة الأولى يبدو هذا سيئا للغاية لمن لا يفهم لعبة الديون الأمريكية.
أكبر كذبة سُوِّقت للعامة على الإطلاق؟ أن الدين العام الأمريكي قابل للسداد وتبدو حقيقة ديون أمريكا مختلفة عما يعرفه عامة الناس وحتى دونالد ترامب نفسه نفسه!
الأمر لا يتعلق بالسداد، بل بالإدارة وهي لعبة مستمرة من توسع الدين، والتضخم، ونقل الثروة، الديون ليس قنبلة موقوتة تنتظر الإنفجار، بل هو صمام ضغط مصمم لتخفيف الضغط الإقتصادي على من لا يفهمون كيف تُدار اللعبة.
لذا حجم الديون الأمريكية ليس لها معنى، 36 تريليون دولار؟ 50 تريليون دولار؟ لا يهم سيستمر النظام في العمل طالما أن الناس يؤمنون بالعملة التي تدعمه.
السؤال الوحيد هو: هل أنتم في وضع يسمح لكم بالإستفادة منه، أم ستكونون ضحية أخرى للسياسة النقدية؟ هذا السؤال الذي يجب أن يطرحه المقيمين في أمريكا والمتعاملين بالدولار.
مشكلة الديون الأمريكية: ليس من المفترض سدادها
الدين الوطني الأمريكي وهمٌ بالالتزام، تسمع السياسيين والإقتصاديين يتجادلون حوله كما لو كانت هناك خطة لكن الحقيقة هي:
- لا تستطيع حكومة الولايات المتحدة الأمريكية سداد الدين فليس هناك ما يكفي من النقود المتداولة للقيام بذلك.
- التخلف عن السداد ليس خيارًا حيث سيؤدي إلى انهيار النظام المالي.
- زيادة الضرائب لن تُحل المشكلة إذ أن فرض ضرائب بنسبة 100% لن يُغطي حتى نصف الإجمالي.
- خفض الإنفاق لن يُحل المشكلة فالحكومات لا تتقلص، بل تتوسع.
الاستراتيجية الحقيقية الوحيدة هي تضخيم الدين وهي عملية مُحكمة يُؤدي فيها التضخم إلى تآكل الدين بمرور الوقت مع الحفاظ على وهم الاستقرار.
إذا كنت لا تزال تُفكر في “سداد الدين” فأنت تلعب لعبة الداما اللعبة أشبه بالشطرنج.
حجة ترامب حول “الاحتيال”: تشتيت مُريح
ألمح دونالد ترامب مؤخرًا إلى أن جزءًا من الدين الوطني احتيال، وأن بعضه “لا يُحتسب” ربما يكون مُحقًا، لكن لنفترض جدلًا أن تريليوني دولار احتيال.
يصبح الدين الأمريكي 34 تريليون دولار وهذا يعني أن المشكلة لا تزال قائمة لم يتغير أي شيء تقريبا.
تحتفظ الحكومة الأمريكية أيضًا ببعض ديونها الخاصة من خلال حسابات حكومية دولية، هل نحذف هذا؟ ينخفض الدين إلى 28.9 تريليون دولار.
ثم هناك الاحتياطي الفيدرالي، الذي يحتفظ بـ 4.7 تريليون دولار في سندات الخزانة، إذا حذفنا ذلك، ينخفض الدين الوطني إلى 22.2 تريليون دولار.
تم خلط الأرقام لكن المشكلة الأساسية لا تزال قائمة: يعتمد النظام على المزيد من الديون، الاقتصاد لا يعتمد على النقد بل على الائتمان والثقة والتخفيض المُتحكّم لقيمة العملة.
المشكلة الحقيقية ليست هي الديون الأمريكية
الدين القومي الأمريكي ليس أزمةً مُنتظرة، بل هو أساس النظام المالي العالمي، الخطر الحقيقي ليس التخلف عن السداد، بل التضخم الذي يُضعف القدرة الشرائية بمرور الوقت.
ما سيحدث ببساطة هو تخفيض المديونية التضخمي وهذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها هذا، بعد الحرب العالمية الثانية، تجاوزت نسبة الدين الأمريكي إلى الناتج المحلي الإجمالي 120% وعلى مدى أربعة عقود، تم تضخيمها من خلال:
- النمو الاقتصادي.
- التضخم المُتحكّم فيه.
- القمع المالي (إبقاء أسعار الفائدة منخفضة بشكل مصطنع).
انكمش الدين كنسبة مئوية من الاقتصاد. ولكن، هل انخفضت الأجور؟ أم انخفضت القدرة الشرائية؟ أم انخفضت الطبقة الوسطى؟ هنا تكمن الخسائر الحقيقية.
وتُطبّق الاستراتيجية نفسها اليوم.
- سيستمر الدين في النمو.
- ستطبع الحكومة النقود لتغطية ذلك.
- سيُهلك التضخم مدخراتك وراتبك وثروتك الحقيقية.
كيف تحمي نفسك من التضخم؟
السؤال ليس ما إذا كان هذا سيحدث، بل ما إذا كنت ستتخذ موقفًا صائبًا.
إذا ارتفع التضخم بنسبة 5-10% سنويًا، بينما ارتفع دخلك بنسبة 3% فقط فأنت متأخر عن الركب، الأغنياء لا يتخذون موقفًا دفاعيًا، بل يتفوقون على التضخم بـ:
- امتلاك شركات تزدهر في ظلّ عدم الاستقرار الاقتصادي.
- الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والأتمتة لتوسيع نطاق الإنتاج دون بذل جهد إضافي.
- الاستثمار في مهارات تتراكم قيمتها بمرور الوقت.
لا يتعلق الأمر بكسب المزيد من المال لمجرد الربح، بل بضمان عدم التخلف عن الركب في نظام مصمم لاستخلاص القيمة ممن لا يفهمونه.
نحن ندخل عصرًا اقتصاديًا جديدًا، عصرًا تُعدّ فيه تحكيم المعرفة المهارة الأثمن على وجه الأرض، الفرق الوحيد بين الناجحين والخاسرين هو فهم آلية عمل النظام.

