
أعلنت صحيفة واشنطن بوست يوم الأربعاء عن تعيين محرر جديد لقسم الآراء، وذلك بالتزامن مع قيام مالكها جيف بيزوس بتحديث قسم الآراء.
سياسة تحرير واشنطن بوست الليبرالية الجديدة تبدو مختلفة عن السابقة خصوصا في هذا القسم حيث يعبر الكتاب عن آرائهم مع استحضار الحقائق.
كيف يفكر جيف بيزوس صاحب واشنطن بوست؟
أعلن بيزوس في فبراير أن الصحيفة ستلغي برامجها التقليدية المخصصة للآراء العامة، وستُخصص قسمًا يُركز على المقالات الافتتاحية المؤيدة “للحريات الشخصية والأسواق الحرة”، وأضاف أن دور النشر الإخبارية في تحديد مسار الخطاب العام قد تغير.
كتب بيزوس في مذكرة إلى الموظفين: “في الماضي، كانت الصحف، وخاصةً تلك التي كانت تُعتبر احتكارًا محليًا، ترى أنها خدمةٌ لإيصال قسم رأي واسع النطاق إلى باب قرائها كل صباح، يسعى إلى تغطية جميع الآراء”، وأضاف: “اليوم، الإنترنت يقوم بهذه المهمة”.
وسيقود آدم أونيل، مراسل صحيفة الإيكونوميست في واشنطن والمحرر التنفيذي السابق لصحيفة ديسباتش، القسم المُجدد، وقد قدّم نفسه في فيديو على X يوم الأربعاء، وفي رسالته، أكد أونيل على أهداف رئيسه الجديد.
وقال: “ستكون فلسفتنا متجذرة في تفاؤلٍ جوهري بمستقبل هذا البلد، لن نكون أشخاصًا يُلقون عليك محاضراتٍ حول الأيديولوجية أو يُطالبونك بالتفكير بطرقٍ مُعينة في السياسة”.
وأكد موظفو الصحيفة أن بيزوس لم يسعَ إلى تغيير التغطية الإخبارية للصحيفة، لكن هذه ليست المرة الأولى التي يُؤثر فيها مالك الصحيفة الشهيرة على تغطيتها للرأي.
في أكتوبر الماضي، أوقف بيزوس سياسة الصحيفة المتمثلة في دعم المرشحين الرئاسيين، مما أعاق خطط هيئة التحرير لدعم نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس قبل الانتخابات العامة.
أثارت هذه الخطوة ردود فعل غاضبة من العديد من كُتّاب الرأي في الصحيفة ورئيس تحريرها السابق، مارتي بارون، استقال العديد من أعضاء هيئة التحرير احتجاجًا على ذلك.
كيف تغير قسم الرأي في واشنطن بوست؟
قسم التحرير، المعروف أيضًا بقسم الرأي، هو المكان الذي يقدم فيه المحررون والمساهمون ذوو الفهم العميق والواسع لآخر الأخبار تحليلاتهم لقضايا اليوم، يختلف هذا المحتوى عن التقارير الإخبارية القائمة على الحقائق التي يقدمها صحفيو الصحيفة اليوميون.
كلا النوعين من المحتوى يخدم المصلحة العامة، ينقل الصحفيون الأخبار لإعلام الجمهور، بينما يحلّل المحررون وكتاب الرأي الأخبار ويشرحونها، ويضعون الحقائق في سياق أوسع لتسهيل الفهم.
في صحيفة واشنطن بوست، بدلًا من أن يتخذ محررو الأخبار قرارات مستقلة بشأن ما يكتبونه ووجهات النظر التي ينبغي أن يتبنوها، غرّد بيزوس قائلًا: “سنكتب يوميًا دعمًا ودفاعًا عن ركيزتين أساسيتين: الحريات الشخصية والأسواق الحرة، سنغطي مواضيع أخرى أيضًا بالطبع، لكن وجهات النظر المعارضة لهذه الركيزتين ستُترك للآخرين لينشروها”.
لذا، الرأي والتحليل في صحيفة واشنطن بوست سيقتصران على وجهة نظر واحدة، وهذه هي النقطة التي أزعجت الكثير من القراءة والكتاب على حد سواء.
في ظل التحول الجذري الذي يقوده جيف بيزوس في واشنطن بوست، لم يعد قسم الرأي ساحة مفتوحة لتعدد وجهات النظر، بل تحوّل إلى منبر موحّد يُروّج لرؤية واحدة ترتكز على “الأسواق الحرة والحريات الشخصية”، وهذا ما أكده مالك الصحيفة بنفسه، حين صرّح بأن تغطية الآراء المعارضة لهذا الاتجاه ستُترك لجهات إعلامية أخرى.
هذه المقاربة الجديدة تعني ضمنيًا أن الأصوات اليسارية التقدمية، أو حتى المحافظة ثقافيًا، لن تجد مساحة داخل القسم الجديد، ما يمثل قطيعة واضحة مع الإرث التحريري للصحيفة التي كانت تاريخيًا تضم طيفًا واسعًا من الكتّاب من مختلف الاتجاهات.
من هو آدم أونيل؟ ولماذا اختاره بيزوس؟
تعيين آدم أونيل، الصحفي السابق في الإيكونوميست والمحرر التنفيذي في The Dispatch، لم يكن قرارًا عشوائيًا، أونيل يُمثّل التيار الليبرالي الكلاسيكي الذي يجمع بين الإيمان بالسوق، والدفاع عن الحريات الفردية، ومعارضة الفكر التقدمي الصاعد في أوساط الشباب الأميركي.
وهو تيار مقرب من دوائر رجال الأعمال والتكنوقراط، ويبتعد عن الشعبوية سواء اليمينية (ترامبية) أو اليسارية (ساندرزية).
في كلمته المصوّرة على منصة X، وعد أونيل بجعل القسم الجديد منصة “تفاؤلية” لا تُلقي المحاضرات، بل تفتح باب التحليل المنطقي دون أيديولوجيا مُعلبة. لكن منتقدي هذه الرؤية يرون أن التخلي عن التعددية الأيديولوجية بحد ذاته خيار أيديولوجي متطرف.
قبل استحواذ بيزوس، عُرفت واشنطن بوست بتوازنها التحريري، وسمحت لكُتّاب مثل جنيفر روبن، جورج ويل، إيشان ثارور، وكاثرين رامبِل بالتعبير عن مواقف متباينة، من الليبرالية التقدمية إلى المحافظة الفكرية، أما الآن، فالمعيار بات أوضح: إما أن تدعم الأسواق والحريات، أو تبحث عن منبر آخر.
التحول لم يتوقف عند استبعاد دعم المرشحين السياسيين — مثل ما حدث عند إيقاف دعم ترشيح كامالا هاريس — بل امتد إلى إعادة صياغة هوية قسم الرأي بالكامل، ما دفع عددًا من كتاب العمود إلى الاستقالة، وفتح الباب لتساؤلات حول مستقبل حرية التعبير داخل المؤسسة.
هل اقتربت واشنطن بوست من صحف مردوخ؟
في الظاهر، قد تبدو التغييرات مشابهة لنهج Wall Street Journal التابع لروبرت مردوخ، الذي يُخصص قسمًا رأيًا محافظًا رغم تغطية إخبارية دقيقة. لكن بيزوس يسعى، على ما يبدو، إلى نسخة أكثر تهذيبًا من اليمين الاقتصادي، تُشبه من حيث الرؤية The Economist أو Financial Times، وليس Fox News أو New York Post.
لكنّ النقطة الفارقة تبقى في تبنّي خط تحريري موحّد، حتى وإن بدا عقلانيًا ومدنيًا. وهنا يكمن التحدي الحقيقي: هل يمكن لصحيفة أمريكية كبرى أن تُدافع عن التعدد والحرية، وهي تُقصي الآراء المخالفة لرؤية مالكها؟
المشهد الجديد في واشنطن بوست يعكس اتجاهًا أوسع في الصحافة الأمريكية: نهاية عهد التعدد الأيديولوجي المتسامح، وبداية إعلام أكثر حزماً في بناء هوية فكرية. في عصر الاستقطاب السياسي، لم تعد المؤسسات الإعلامية تكتفي بنقل الحقائق، بل أصبحت تسعى لإعادة تشكيل وعي جمهورها، بما يتماشى مع مصالح أصحابها وتموضعهم السياسي والاقتصادي.
جيف بيزوس، الذي يؤمن أن دور الصحف تغيّر في عصر الإنترنت، يُراهن على نموذج يُشبه إدارة شركة تقنية: رؤية موحدة، استراتيجية واضحة، وأداء محسوب النتائج. لكن يبقى السؤال: هل سيؤدي ذلك إلى ازدهار الصحيفة؟ أم إلى عزوف جمهورها الباحث عن الرأي المتنوع؟
خسارة 250 ألف مشترك: ضريبة التحول الأيديولوجي
جاء التحول التحريري في قسم الرأي بـ واشنطن بوست في سياق أزمة متصاعدة، إذ تواجه الصحيفة تحديًا وجوديًا يتمثل في فقدان أكثر من 250 ألف مشترك رقمي.
هذا التراجع الصادم في عدد المشتركين يُنظر إليه داخل أروقة الصحيفة على أنه نتيجة مباشرة للقرارات التحريرية التي اتخذها جيف بيزوس، والتي شملت إنهاء دعم المرشحين السياسيين وفرض توجه تحريري قائم على الدفاع الحصري عن “الحريات الشخصية والأسواق الحرة”.
التسريبات الداخلية تشير إلى أن القرار بإلغاء دعم المرشحين الرئاسيين، قبيل الانتخابات الأمريكية، أدى وحده إلى مغادرة عشرات الآلاف من المشتركين، بينما فاقمت التغييرات في قسم الآراء—وتحديد وجهة نظر واحدة دون السماح بتعدد الأصوات—من حالة الاستياء بين القراء.
النتائج الاقتصادية لم تكن هامشية. فقد أفادت تقارير بأن هذه الخسارة ستُكلف الصحيفة أكثر من 30 مليون دولار من العائدات المستقبلية، في وقت تشهد فيه المؤسسات الإعلامية التقليدية تنافسًا شرسًا على السوق الرقمية.
ورغم محاولات إدارة واشنطن بوست امتصاص الصدمة عبر تخفيضات سعرية وعروض اشتراك جديدة، إلا أن البيانات الأولية تُظهر أن الاستنزاف مستمر.
هذه الأرقام تعكس أكثر من مجرد أزمة اشتراكات؛ إنها علامة إنذار على اختلال العلاقة بين الصحيفة وجمهورها الأساسي، الذي كان يعتمد عليها كمصدر للرأي المتنوع، لا الموجَّه.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل الرهان على هوية أيديولوجية واضحة قد يُنقذ الصحيفة من التراجع، أم أنه سيُقوّض ثقتها كمؤسسة صحفية وطنية؟
