
تشهد أسواق النفط العالمية واحدة من أعنف هزاتها منذ سنوات، بعدما دفعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران المنطقة إلى شلل شبه كامل في أحد أهم شرايين الطاقة في العالم: مضيق هرمز.
لم يعد الممر الذي تعبر منه كميات هائلة من الخام والمنتجات المكررة والغاز الطبيعي المسال يعمل كالمعتاد، ومع تراجع التدفقات وارتفاع المخاطر البحرية وأقساط التأمين، بدأت فاتورة الحرب تظهر سريعًا في شكل خسائر مباشرة لمنتجي الخليج.
خسائر منتجو النفط في الخليج
ووفق تقرير لصحيفة فايننشال تايمز استنادًا إلى تقديرات شركة كبلر، فقد خسر منتجو النفط في الخليج نحو 15.1 مليار دولار من إيرادات الطاقة منذ بداية الحرب، في مؤشر صريح على أن الصراع لم يعد يهدد الأسعار فقط، بل يضرب الدخل الفعلي للدول المنتجة.
وتزداد خطورة هذا الرقم إذا وضع في سياقه الحقيقي. فبحسب التقديرات نفسها، ينقل مضيق هرمز عادة ما قيمته نحو 1.2 مليار دولار يوميًا من النفط الخام والمنتجات المكررة والغاز الطبيعي المسال وفق متوسطات الأسعار والأحجام في 2025، ما يعني أن أي تعطيل واسع أو مطول لا يربك السوق فحسب، بل يحرم الحكومات الخليجية من تدفقات نقدية يومية تعتمد عليها مباشرة في تمويل الموازنات والإنفاق العام.
ومع تراجع الحركة البحرية إلى مستويات استثنائية منذ بدء الضربات في 28 فبراير 2026، لم تعد الخسارة نظرية، بل أصبحت نزيفًا يوميًا محسوسًا في قلب الاقتصادات الريعية نفسها.
أهمية مضيق هرمز
المشكلة الأساسية ليست فقط في ارتفاع أسعار النفط أو التوتر الجيوسياسي، بل في أن الخليج يعتمد على مضيق هرمز بوصفه الممر الحيوي الأول لتصدير الطاقة إلى العالم.
وعندما يصبح هذا الشريان شبه مغلق أو بالغ الخطورة، فإن ملايين البراميل لا تختفي من السوق فقط، بل تتراكم في الانتظار، وتتأخر الشحنات، وتُعاد جدولة العقود، وترتفع كلفة التأمين والنقل، فتتآكل الإيرادات حتى قبل أن تصل البراميل إلى المشترين.
رويترز وصفت الوضع بأنه إغلاق شبه كامل للمضيق أدى إلى اضطراب غير مسبوق في صادرات المنطقة، فيما قالت تقارير أخرى إن منتجين خليجيين اضطروا بالفعل إلى خفض الإنتاج أو إعادة ترتيب مسارات الشحن.
ومن هنا يتضح أن الخسارة ليست مجرد “فرصة ضائعة” بسبب عدم البيع، بل خسارة مركبة: جزء منها ناتج عن انخفاض الكميات المصدرة فعليًا، وجزء عن ارتفاع تكاليف إيصال ما تبقى من الصادرات، وجزء ثالث عن تعطل سلاسل الإمداد والتحميل والتفريغ، فضلًا عن تآكل الثقة في انتظام الإمدادات الخليجية.
لهذا لا يبدو رقم 15.1 مليار دولار مبالغًا فيه، بل أقرب إلى الحد الأدنى من كلفة أولية إذا استمر الاختناق البحري أيامًا أو أسابيع إضافية.
السعودية أكبر الخاسرين.. لكنها ليست بلا أوراق
تتصدر السعودية قائمة المتضررين، بوصفها أكبر مصدر للنفط في المنطقة وأكثرها اعتمادًا على التدفقات المنتظمة عبر الخليج، إذ نقلت فايننشال تايمز عن تقديرات وود ماكنزي أن المملكة تكبدت وحدها نحو 4.5 مليارات دولار من الخسائر التقديرية منذ اندلاع الحرب.
وهذا منطقي، فالسعودية لا تملك فقط أكبر طاقة تصديرية، بل تتحمل أيضًا العبء الأكبر عندما يتعطل الشريان البحري الأهم في المنطقة.
مع ذلك، لا تقف الرياض مكتوفة اليدين. فقد أظهرت بيانات الشحن أن السعودية سارعت إلى رفع صادراتها عبر البحر الأحمر، وأن تحميلات ميناء ينبع قفزت في مارس إلى مستويات قياسية، إذ بلغ متوسطها نحو 2.2 مليون برميل يوميًا في بداية الشهر مقابل نحو 1.1 مليون برميل يوميًا في فبراير، في محاولة واضحة لتقليص الاعتماد على هرمز.
لكن هذه المناورة، رغم أهميتها، لا تكفي لتعويض الانخفاض الكامل أو شبه الكامل في التدفقات الخليجية، لأن ما يمر عبر البحر الأحمر ما زال أقل بكثير من الأحجام التي كانت تعبر المضيق قبل الحرب.
