اسرائيل

منذ هجوم 7 أكتوبر 2023، سادت في العالم العربي نبرة حاسمة تقول إن إسرائيل تتجه إلى انهيار اقتصادي كبير، وإن الحرب الطويلة كفيلة بخنقها ماليًا، وإن الضربات العسكرية والمقاطعة والارتباك الأمني ستكسر العمود الفقري لدولتها خلال وقت قصير.

لكن بعد أكثر من عام ونصف على بداية هذا الزلزال، تبدو الصورة الفعلية أكثر تعقيدًا وأقل درامية بكثير مما روّج له كثيرون.

نعم، إسرائيل تكبدت خسائر ضخمة، لكن الحقيقة الصادمة هي أن هذه الخسائر، حتى الآن، أقل بكثير من المتوقع قياسًا بحجم الحرب، واتساع الجبهات، وطول المواجهة.

حجم خسائر إسرائيل منذ 7 أكتوبر

المعطيات المتاحة تشير إلى أن بنك إسرائيل قدّر خسائر الاقتصاد خلال عامي 2024 و2025 بنحو 177 مليار شيكل، أي ما يعادل تقريبًا 57 مليار دولار، وهو رقم ضخم بلا شك.

لكن الأهم من الرقم نفسه هو نسبته إلى الاقتصاد الإسرائيلي وحجم الضرر الذي كان كثيرون يتوقعونه، فهذه الخسائر تعادل نحو 8.6% من الناتج خلال عامين، وتشمل كلفة حرب غزة والعمليات في لبنان، من دون أن تشمل كلفة الحرب الأميركية الإسرائيلية الجارية مع إيران.

المعنى هنا واضح: هناك نزيف حقيقي، لكنه لم يصل إلى درجة الانهيار الشامل الذي بُنيت عليه كثير من السرديات العاطفية.

كثيرون ظنوا أن مجرد اندلاع الحرب كفيل بإسقاط إسرائيل اقتصاديًا، لكن التجربة أثبتت مرة أخرى أن الاقتصادات المتقدمة لا تنهار بهذه السهولة، خصوصًا عندما تكون متصلة بشبكات تمويل وتحالفات استراتيجية عميقة.

إسرائيل ليست اقتصادًا معزولًا، بل جزء من بنية غربية مالية وتكنولوجية وأمنية تمنحها قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات.

57 مليار دولار.. كثيرة أم قليلة؟

يبدو رقم 57 مليار دولار كافيًا لإثبات أن إسرائيل تدفع ثمنًا باهظًا وهذا صحيح جزئيًا، لكن الاقتصاد لا يُقرأ فقط بحجم الخسائر المجرد، بل بقدرته على التحمل والامتصاص وإعادة التمويل.

هنا بالضبط تظهر المفارقة، فحين تخوض دولة حربًا مفتوحة منذ أواخر 2023 على أكثر من جبهة، وتتراجع فيها السياحة، ويتعطل جزء من سوق العمل، وتزداد النفقات العسكرية، ثم تكون الخسائر عند حدود 8.6% من الناتج خلال عامين، فهذا يعني أن الضرر كبير لكنه ما يزال داخل نطاق السيطرة النسبية، لا في منطقة الانفجار النهائي.

المشكلة في الخطاب العربي خلال الشهور الأولى للحرب أنه تعامل مع إسرائيل كما لو كانت اقتصادًا هشًا على حافة الإفلاس، بينما هي في الواقع دولة تملك مؤسسات قوية، وقدرة عالية على الاقتراض، وعلاقات مالية عميقة مع الغرب، وقاعدة تكنولوجية وصناعية مرنة نسبيًا، لذلك، فإن السؤال الأهم ليس هو هل خسرت إسرائيل؟ بل لماذا لم تخسر أكثر؟

الحرب كانت أكبر من أن تُنتج هذه الخسائر فقط

لو أخذنا المشهد العسكري والسياسي وحده، لكان التوقع المنطقي أن تكون الكلفة أعلى بكثير، إسرائيل لم تواجه مجرد معركة قصيرة في غزة، بل دخلت حرب استنزاف طويلة، ووسعت عملياتها في لبنان، وعاشت شهورًا من التوتر الداخلي، وتعرضت لهزات في الثقة والاستثمار والسياحة وسوق العمل، كما أنها واجهت ضغطًا سياسيًا وأخلاقيًا متزايدًا في أوروبا والغرب، مع اتساع الانتقادات لسياساتها العسكرية.

ومع ذلك، بقي الاقتصاد الإسرائيلي واقفًا مترنحًا أحيانًا، مثقلًا بالعجز والدين والنفقات العسكرية لكنه لم يسقط، وهذا يعني أن الدولة نجحت، حتى الآن، في تحويل حرب تاريخية كان يُفترض أن تكون مدمرة اقتصاديًا إلى أزمة باهظة لكنها قابلة للإدارة.