
كل بضع سنوات تعود إلى الإنترنت قصة مثيرة تقول إن الملك تشارلز الثالث اعتنق الإسلام سرًا في تركيا عام 1996، وأن العائلة المالكة البريطانية أخفت الخبر لأسباب سياسية ودستورية.
خلال الأسابيع الأخيرة انتشرت هذه الرواية مرة أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي، مدعومة بسلسلة من “الحقائق” المزعومة أبرزها: تعلمه اللغة العربية، إعجابه بالحضارة الإسلامية، اهتمامه بالتمويل الإسلامي، وحتى استضافته فعاليات رمضانية.
لكن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه هنا هو: هل توجد بالفعل أدلة على أن الملك تشارلز أسلم في تركيا عام 1996؟ هل أسلم الملك بالفعل وترك المسيحية؟
تصريح مفتي قبرص حول اسلام الملك تشارلز
في عام 1996 نقلت بعض الصحف البريطانية والعربية تصريحات للشيخ ناظم الحقاني، وهو شخصية صوفية معروفة وُصف أحيانًا في الإعلام بأنه “مفتي قبرص” أو أحد رجال الدين المؤثرين هناك.
الحقاني قال في تصريحات إعلامية إن:
الأمير تشارلز اعتنق الإسلام سرًا.
انتشر التصريح بسرعة لأنه صدر عن شخصية دينية معروفة، لكنه لم يكن مدعومًا بأي دليل أو وثيقة، وبعد انتشار الخبر تدخل قصر باكنغهام سريعًا مؤكدا أن هذه الادعاءات غير صحيحة تمامًا.
منذ ذلك الوقت اعتُبرت القصة شائعة بلا دليل، لكنها لم تختفِ من الإنترنت وهي تعود من وقت لآخر إلى الواجهة.
خطاب تشارلز الشهير عن الإسلام والغرب
في عام 1993، أي قبل الشائعة بثلاث سنوات، ألقى الأمير تشارلز خطابًا مهمًا في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية بعنوان: الإسلام والغرب.
في هذا الخطاب تحدث بإيجابية عن الحضارة الإسلامية، وقال إن العالم الإسلامي يملك تقاليد فكرية وروحية عميقة يمكن أن يتعلم منها الغرب، كما انتقد ما وصفه بالنزعة المادية في الحضارة الغربية.
هذا الخطاب كان من أكثر المواقف التي استُخدمت لاحقًا لتغذية شائعة اعتناقه الإسلام، لكن الخطاب نفسه كان دعوة للحوار بين الحضارات، وليس إعلانًا عن تحول ديني.
تشارلز أراد تعلم اللغة العربية لفهم القرآن
في عام 2013 كشف تشارلز في تصريحات صحفية أنه حاول تعلم اللغة العربية.
وأوضح أن أحد أسباب ذلك كان رغبته في فهم القرآن بشكل أفضل
هذه الجملة تحديدًا أصبحت لاحقًا مادة خصبة لمن يروجون فكرة اعتناقه الإسلام، لكن في السياق الكامل كان الأمر جزءًا من اهتمامه الثقافي بالحضارة الإسلامية والشرق الأوسط، وهو اهتمام معروف لدى الأمير منذ عقود.
اهتمام الملك تشارلز بالتمويل الإسلامي
من النقاط التي يكررها مروجو الشائعة أيضًا أن تشارلز تحدث عن التمويل الإسلامي في عدة مناسبات.
في عام 2013 ألقى خطابًا في المنتدى الاقتصادي الإسلامي العالمي في لندن تحدث فيه عن مبادئ التمويل الإسلامي مثل تقاسم المخاطر والاقتصاد الأخلاقي.
لكن هذا الاهتمام ليس غريبًا في بريطانيا نفسها، إذ تعد لندن أحد أكبر مراكز التمويل الإسلامي في العالم خارج الدول الإسلامية.
وبالتالي فإن حديثه عن الموضوع كان اقتصاديًا بالدرجة الأولى، ومن المعلوم أن بريطانيا مهتمة بالأنظمة المالية غير التقليدية لإيجاد أي حل أو طفرة مالية يعيدها إلى عظمتها السابقة.
هل أسلم الملك تشارلز وتحول من المسيحية إلى الإسلام؟
لو كان الأمير تشارلز قد اعتنق الإسلام فعلاً، في تركيا تحديداً، لكان ذلك معروفاً لفريق حمايته (الذين كانوا يرافقونه باستمرار)، ولبعض المقربين من العائلة المالكة على الأقل.
من غير المرجح أن يبقى اعتناقه المزعوم للإسلام سراً لفترة طويلة، وكان من الممكن أن يتمكن صحفي طموح من التحقق من صحة هذا الادعاء بشكل مستقل، وربما الفوز بجائزة بوليتزر.
لهذا الادعاء بأن الملك تشارلز اعتنق الإسلام في تركيا (أو أي مكان آخر) وأنه مسلم هو ادعاء باطل. وقد نشأ هذا الادعاء من شائعة أطلقها مفتي قبرص عام 1996، ونفاها قصر باكنغهام فورًا واصفًا إياها بـ”الهراء”، ولا يزال الملك مسيحيًا وحاكمًا أعلى لكنيسة إنجلترا.
للمزيد اطلع على المرجع المعتمد في التدقيق
