
تتجه المملكة المتحدة نحو مرحلة جديدة من تشديد القيود على المحتوى الإباحي عبر الإنترنت، بعد أشهر فقط من بدء تطبيق نظام التحقق العمري الإلزامي على المواقع التي تتيح هذا النوع من المحتوى.
ومع أن التركيز في البداية كان منصبًا على منع وصول القاصرين، فإن النقاش السياسي انتقل الآن إلى سؤال أكثر إثارة للجدل: هل يجب حظر بعض الفئات المنتشرة على المنصات الإباحية حتى لو كانت تعتمد على ممثلين بالغين لا تربطهم صلة قرابة حقيقية؟
التحرك الجديد جاء ضمن تعديلات نوقشت في مجلس اللوردات على مشروع قانون الجريمة والشرطة، حيث دافعت شخصيات برلمانية، أبرزها البارونة غابي بيرتين، عن توسيع الحظر ليشمل مواد تُصنف باعتبارها تحاكي “العلاقات المحرمة” حتى عندما تكون هذه المواد تمثيلية بالكامل.
وقد مر أحد التعديلات في مجلس اللوردات بفارق صوت واحد فقط، 144 صوتًا مقابل 143، ما يعني أن المعركة السياسية لم تُحسم بعد، وأن الملف قد ينتقل إلى مجلس العموم ليصبح جزءًا من القانون البريطاني إذا نال الموافقة النهائية.
منذ 25 يوليو 2025، باتت المواقع والتطبيقات التي تتيح محتوى إباحيًا في بريطانيا مطالبة بتطبيق وسائل تحقق عمري “فعالة للغاية” لمنع من هم دون 18 عامًا من الوصول إلى هذا المحتوى، وذلك بموجب قانون السلامة على الإنترنت.
وقد دخلت هذه القواعد حيز التنفيذ رسميًا بإشراف أوفكوم، التي فتحت لاحقًا برامج رقابية وتحقيقات مع مواقع عدة، وفرضت غرامات على بعض الشركات التي لم تلتزم بالمتطلبات الجديدة.
لكن مع بدء تنفيذ هذه القواعد، لم يعد النقاش في لندن يقتصر على “من يشاهد؟”، بل اتسع إلى “ما الذي يجب أن يبقى قانونيًا أصلًا؟”.
وهنا ظهر تقرير ومراجعة مستقلة قادتها البارونة بيرتين، دعت فيها إلى سد ما تعتبره فجوة بين ما يُحظر خارج الإنترنت وما لا يزال متاحًا داخله، معتبرة أن بعض المواد التي كانت تُرفض تقليديًا في التنظيمات القديمة للمحتوى المرئي لا ينبغي أن تبقى قانونية لمجرد أنها منشورة على الويب.
النقطة الأكثر حساسية في الجدل الحالي لا تتعلق بحظر المحتوى الذي يصور سفاح القربى الحقيقي أو ما يسمى إعلاميا (زنا المحارم)، لأن هذا النوع يلقى دعمًا سياسيًا واسعًا في اتجاه منعه، إنما الخلاف انفجر حول ما يسمى إعلاميًا بمحتوى “العلاقات غير الدموية التمثيلية”، أي المواد التي تقدم على أنها علاقات بين “أقارب بالمصاهرة” أو “علاقات أسرية تركيبية” بينما يكون المشاركون فيها ممثلين بالغين لا تربطهم أي علاقة أسرية حقيقية.
هذا النوع من المحتوى شهد رواجًا كبيرًا في السنوات الأخيرة عالميًا، وهو ما دفع بعض النواب والوزراء إلى اعتبار أن الإبقاء عليه قانونيًا يبعث برسالة متناقضة حول ما تعتبره الدولة مقبولًا أو غير مقبول.
البارونة بيرتين كانت من أبرز الأصوات المطالبة بتشديد أوسع، وقالت في مداخلات برلمانية وإعلامية إن بعض المواد التي راجعتها “صادمة إلى درجة أن معظم الناس سيُفاجأون بأنها لا تزال، من حيث المبدأ، قانونية”.
كما ربطت هذه الفئة بسياق أوسع من المحتوى الذي تعتبره “عنيفًا” أو “مسيئًا” أو قريبًا من محاكاة سلوكيات غير مقبولة.
الانتقادات لا تأتي فقط من المدافعين التقليديين عن حرية التعبير، بل أيضًا من داخل المشهد السياسي نفسه.
فوفق تغطية سكاي نيوز، واجه بعض الوزراء اتهامات بأنهم “يفقدون البوصلة” لأن الحكومة تبدو مستعدة لحظر بعض الفئات وترك أخرى قريبة منها، ما يفتح الباب أمام أسئلة معقدة حول المنطق القانوني والمعايير الأخلاقية التي يُبنى عليها المنع. وهذا التناقض هو ما جعل الملف يتحول من نقاش أخلاقي إلى معركة سياسية وتشريعية حقيقية.
المعترضون على التوسع في الحظر يطرحون حجة مختلفة: إذا كان المشاركون ممثلين بالغين، ولا توجد بينهم صلة حقيقية، فهل يصبح المنع هنا قائمًا على السيناريو واللغة التسويقية أكثر من كونه قائمًا على فعل مجرم أو انتهاك مباشر؟
هذا السؤال يعقّد المشهد، لأن الدولة حين تتدخل في هذا المستوى من التصنيف تدخل عمليًا في منطقة شديدة الحساسية بين التنظيم والرقابة والهندسة الأخلاقية للمحتوى.
