
منذ أن قامت الجمهورية الإسلامية في إيران، لم تتعامل مع إسرائيل بوصفها دولة يمكن الاختلاف معها، أو خصمًا يمكن ردعه، أو نزاعًا يمكن إدارته سياسيًا، بل تعاملت معها بوصفها كيانًا يجب أن يزول، وفكرة يجب أن تُمحى، ووجودًا ينبغي أن يُلغى من الوعي قبل الجغرافيا.
هذه هي الحقيقة التي يتهرب منها كثيرون في العالم العربي، لا لأنهم يجهلونها، بل لأنهم على قناعة بأن إسرائيل هي أصل كل الشرور، وأن كل من يرفع السلاح ضدها يصبح تلقائيًا صاحب قضية عادلة.
لكن الحرب الحالية أعادت المسألة إلى جوهرها الحقيقي، إيران لم تبنِ مشروعها الإقليمي على السلام، ولا على التسوية، ولا حتى على الدفاع عن الفلسطينيين، بل على عقيدة الإلغاء والتحريض والتسليح والتفجير المستمر لفكرة التعايش نفسها، وهي في ذات الوقت عدو حقيقي لدول الخليج وبقية دول المنطقة وقد استغلت الحرب الجارية لضرب تلك الدول لدرجة أنها نالت حصة الأسد من الضربات الصاروخية.
وإذا كان لا بد من توصيف أخلاقي صريح لهذه الحرب، فإن إيران هي الطرف الظالم الذي بنى شرعيته على التهديد والإبادة الرمزية، بينما أصبحت إسرائيل، في هذه الجولة بالذات، الطرف الذي يواجه منذ عقود خطابًا وجوديًا ينكر عليه أصل الوجود.
هذه ليست مبالغة بلاغية، ففي 2014 نقلت رويترز عن المرشد الإيراني علي خامنئي قوله إن “إبادة” أو “إزالة” إسرائيل هي “العلاج الحقيقي الوحيد” لمشاكل الشرق الأوسط، موضحًا أنه يقصد تفكيك دولة إسرائيل وإنهاء وجودها السياسي، ما يعني ضمنيا إبادة الشعب اليهودي الذي يعيش في إسرائيل.
كما أن المرشد الإيراني هو من أبرز الشخصيات التي دافعت عن شعار فلسطين من النهر إلى البحر وهو شعار يحرض بلا شك على إبادة الشعب الإسرائيلي.
الدولة نفسها تُطرح في الخطاب الإيراني بوصفها كيانًا ينبغي إنهاؤه، وحين تصبح إزالة دولة عضوًا في النظام الدولي هدفًا معلنًا ومتكررًا في خطاب دولة أخرى، فإننا لا نكون أمام خلاف حدودي أو نزاع سياسي عادي، بل أمام تحريض مزمن على شطب شعب ودولة من الخريطة السياسية.
وإلى جانب خطاب الإلغاء والكراهية لجأت إيران إلى خطوات عملية لتحقيق حلمها، وقد تجلى ذلك من خلال تسليح وتمويل وتدريب الجماعات التي تتبنى هذا المنطق، وفي مقدمتها حزب الله وحماس وأنصار الله والحشد الشعبي واستخدمت تلك الجماعات أيضا لتقويض دول مهمة في المنطقة وعلى رأسها العراق وسوريا واليمن ولبنان وحتى فلسطين من خلال دعم حماس المعادية لحركة فتح.
ولم تتوقف مساعي إيران في القضاء على إسرائيل من خلال خطابها الداخلي ودعمها لجماعات إرهابية خارجة عن القانون في المنطقة ورفض قرارات مجلس الأمن وخطة الدولة اليهودية إلى جانب الدولة الفلسطينية، بل أشعلت سباقا سنيا شيعيا على احتقار اليهود والتحريش ضد الشعب العبري مستندين في ذلك إلى خطاب ديني متشدد لا يناسب القرن الواحد والعشرين.
وبذلك ضربت إيران ليس فقط فكرة التعايش مع إسرائيل ولكن أيضا جهود الدول العربية والولايات المتحدة وقوى أخرى إقليمية وعالمية لفرض السلام في الشرق الأوسط، وأصبحت الحكومات المعتدلة منبوذة ومشبوهة حتى في نظر شعوبها المتأثرة بهذا الخطاب الشيعي السني المتشدد.
ونتيجة لذلك جاءت 7 أكتوبر 2023 لتكون خطوة انتحارية من حماس بعد حوالي شهر من الإعلان عن الممر الاقتصادي الجديد الذي يربط الهند بأوروبا عبر الإمارات والسعودية والأردن وإسرائيل، والذي جاء كثمرة لاتفاقيات السلام في المنطقة وضمن مخطط دولي لبناء شرق أوسط جديد مستقر ومشابه لأوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ولأن التطرف وخطاب الكراهية لا يتوقف عن صاحبه، فقد كان طبيعيا صعود اليمين القوي المتطرف في إسرائيل وخطاب إقصائي ومتشدد، لهذا ما أن حققت تل أبيب أهدافها من حرب غزة حتى وصعت عملياتها لمواجهة الجماعات التابعة لإيران والتي شاركت في طوفان القدس ثم ضرب رأس الأفعى في إيران نفسها.
لقد قدمت إسرائيل براهين على أنها دولة تحترم سيادة الدول الجارة المسالمة معها وعلى رأسها مصر والأردن، فيما لا تعترف بها سوريا ولا لبنان ولا حكومة غزة، وكلها أطراف سعت إلى القضاء على إسرائيل لذا تجد نفسها في قلب العمليات الإسرائيلية للقضاء على التهديدات وتجنب تكرار مأساة 7 أكتوبر التي دمرت فرص التعايش بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني.
في المقابل أثبتت إيران أنها دولة عدوانية تريد تدمير العرب والشعوب الأخرى في المنطقة والقضاء على إسرائيل لإحياء دولة شيعية على انقاض امبراطورية فارس الكبرى.
