
مع تعويم الجنيه المصري بشكل كامل هذه المرة، تواجه العملة المصرية تراجعا كبيرا مقابل الدولار في ظل ارتفاع فاتورة الواردات مقارنة مع الصادرات، وارتفاع الدولار مع تشديد السياسة النقدية الأمريكية لمكافحة التضخم، ويبدو أن هذا يصب في صالح تراجع معدلات الإنجاب.
ويعد الإنفجار السكاني مشكلة مؤلمة لمصر التي تمتعت في السنوات الأخيرة بنمو اقتصادي مرتفع وتنمية اقتصادية متسارعة لم يستفد منها فئات كبيرة من الشعب المصري بسبب معدلات الإنجاب المرتفعة.
وكانت الصين التي بدأت إصلاحات 1979 قد افتتحت التنمية الإقتصادية بتشديد القيود على التوالد وهو ما ساعدها لاحقا في الإستفادة من التغييرات المهمة وتحولها من دولة فلاحية فقيرة إلى دولة صناعية كبرى.
وتحتاج القاهرة إلى تطبيق نموذج مشابه بدون التدخل في الحرية الشخصية للأزواج، وذلك من خلال توعية الرجال والنساء بأن الإنجاب ليس سباقا عبثيا لإحضار الكثير من الأطفال للأرض بدون قيمة حقيقية، لهذا السبب لم تقر الحكومة المصرية حتى الآن قانونا يضع حدا للتوالد.
لكن انهيار الجنيه المصري الذي يعد جزاء من اصلاح اقتصادي ومالي مهم، من شأنه أن يؤدي إلى تراجع معدلات الإنجاب بشكل أسرع في السنوات القادمة.
الواقع الجديد والمعقد سيزيد من العزوف عن الزواج بسبب صعوبات التكاليف وبالتالي المساهمة في تقليل معدلات الإنجاب، وقد أعلن رئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر خيرت بركات، انخفاض معدل الإنجاب في مصر إلى 2.85 طفل لكل سيدة في عام 2021 مقابل 3.5 في عام 2014.
هذا الإنخفاض يأتي في ظل عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي والذي تميز حكمه بالإصلاحات الشجاعة ومواجهة المشاكل المالية والإقتصادية بشكل أكثر حزما عوض الترقيع واستخدام المسكنات المالية التي تفضلها عادة الحكومات العربية التي تخشى من تبعات الإصلاح المالي على الإستقرار السياسي.
وعادة ما تؤثر الأزمات الإقتصادية بشكل سلبي على الخصوبة ومعدلات الإنجاب، حتى الدول الأوروبية والغربية شهدت انخفاضا في عدد المواليد خلال فترات الركود الإقتصادي.
لاحظت الأبحاث السابقة حدوث تراجع في الخصوبة خلال فترات الكساد الاقتصادي، وعند النظر على وجه التحديد إلى الكساد الكبير في الولايات المتحدة في أواخر عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وجدت الأبحاث أن لها آثارًا سلبية قوية على مستويات الخصوبة.
أيضا شهدت 22 دولة من أصل 32 دولة تم دراستها انخفاضًا في معدلات الخصوبة بين عامي 2008 و 2013 مقارنة بالسنوات السابقة، وقد تأثر هذا الإنخفاض بالتغيرات في الإقتصاد ومشاركة الأفراد في سوق العمل.
ولاحظت هذه الدراسات أنه تنخفض معدلات الخصوبة بين النساء ذوات التعليم المتوسط عندما ترتفع معدلات البطالة، بينما لا يبدو أن النساء ذوات التعليم المنخفض يتعرضن لتغير في معدلات الخصوبة.
بالنسبة للنساء المتعلمات تعليماً عالياً، لا يتأثرن بنفس القدر بالزيادات في البطالة العامة، لكنهن يتأثرن أكثر عندما ترتفع بطالة الشباب والإناث.
ولا ينبغي أن لا نتجاهل بأن الأزمة الاقتصادية تشهد عادة معدلات عزوف عن الزواج أكبر من فترات الرخاء، كما أن الطلاق يرتفع وكل هذه العوامل المختلفة تصب في صالح تراجع الإنجاب.
خلال عام 2010، انخفضت معدلات الخصوبة في جميع أنحاء منطقة الشمال الأوروبي، يبدو أن بداية هذه الانخفاضات مرتبطة بالركود العظيم في الفترة 2008-2009، لكن استمرارها لا يمكن ربطه بسهولة بالتغير الاقتصادي اللاحق.
جلبت التسعينيات أيضًا نوبات من الأزمات الاقتصادية إلى منطقة الشمال الأوروبي أعقبتها درجات مختلفة من انخفاض الخصوبة وعدد المواليد الجدد.
دول الشمال – الدنمارك وفنلندا وأيسلندا والنرويج والسويد – معترف بها على نطاق واسع لوجود سياسات أسرية سخية وأنظمة رعاية اجتماعية وقائية وموجهة للعمالة، ومعدلات عالية لمشاركة القوى العاملة بين الرجال والنساء، وحتى وقت قريب جدًا، مستويات خصوبة عالية نسبيًا.
منذ عام 2010، انخفض معدل الخصوبة الإجمالي في جميع دول الشمال، حيث وصل إلى المستويات المنخفضة تاريخيًا عند 1.35 طفل لكل امرأة في فنلندا في عام 2019، و 1.53 في النرويج في عام 2019، و 1.71 في أيسلندا في عام 2017.
وينبغي الإشارة إلى ان هناك عوامل أخرى بما فيها المخاوف من التغير المناخي الذي يهدد بالمجاعات مستقبلا وصعوبة استمرار البشرية على الأرض المضطربة ما يزيد من نمو حركات مناهضة الإنجاب في هذا الجزء من كوكبنا، حيث الشباب أكثر تشاؤما بالمستقبل من أي وقت مضى.
في مصر بدأ تراجع معدلات الزواج أيضا منذ وقت ليس بالقصير، وذلك مع انخفاض الجنيه المصري وتزايد التضخم، وحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامـة والإحصاء تراجع معدل الزواج خلال يونيو 2019 بنسبة 25.4% مقارنة بالشهر ذاته من عام 2018.
ومنذ 2017 تراجعت معدلات الزواج بنسب سنوية تقارب 3.7%، وهي نفس الفترة التي شهدت أول تعويم للجنيه المصري وإصلاح النظام المالي المصري.
إقرأ أيضا:
ما هي فلسفة اللاإنجابية Antinatalism ومن هو اللاإنجابي؟
مشكلة تقلص حجم دماغ الأب بعد الإنجاب
علاقة الإنجاب مع الفقر ومتلازمة التوالد والبؤس
الإنجاب هو ظلم كبير في عصر التغير المناخي
لن يستطيع بابا الفاتيكان إيقاف اللاإنجابية
كيف تحررت المرأة الصينية من الزواج والإنجاب بنجاح؟
تأثير انخفاض عدد سكان الصين على الإقتصاد الصيني
