الدرهم المغربي

يتزايد الحديث في الأوساط الاقتصادية المغربية عن احتمال تأجيل أي خطوة جديدة نحو مزيد من مرونة الدرهم إلى عام 2027، في ظل الصدمة النفطية العالمية الناتجة عن الحرب على إيران وتعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز.

وحتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي من بنك المغرب يقول إنه أجّل الإصلاح، لكن المعطيات الحالية تجعل سيناريو التريث أكثر ترجيحًا، خصوصًا أن البنك المركزي كان قد أعلن أصلًا أنه سيتبع نهجًا حذرًا في ملف مرونة سعر الصرف، مع إطلاق مرحلة تجريبية لاستهداف التضخم في 2026 قبل الانتقال الرسمي في 2027.

من الناحية الرسمية، كان المغرب قد بدأ منذ 15 يناير 2018 إصلاحًا تدريجيًا لنظام الصرف، عبر الانتقال من نظام أكثر تثبيتًا إلى نظام أكثر مرونة، مع توسيع نطاق تذبذب الدرهم أولًا من 0.3% إلى 2.5%، ثم إلى 5% منذ 2020، مع استمرار ربطه بسلة عملات تتكون من 60% يورو و40% دولار.

هذا يعني أن الحديث الحالي لا يتعلق بـ“تعويم كامل” بالمفهوم الحاد، بل بمزيد من التحرير التدريجي والتحول نحو إطار نقدي أوسع يرتبط باستهداف التضخم.

لكن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قلبت الحسابات، فقد قفز خام برنت هذا الأسبوع إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، بعد أن كان قد لامس مستويات أعلى خلال الأيام الماضية، في ظل استمرار الحرب وتعطل جزء كبير من التدفقات عبر مضيق هرمز، وهو ما دفع مؤسسات مالية مثل غولدمان ساكس إلى رفع توقعاتها لأسعار النفط على المدى القريب.

بالنسبة إلى المغرب، هذه ليست مسألة خارجية بعيدة، بل قضية تمس صميم التوازنات الاقتصادية الداخلية، فالمملكة تستورد الجزء الأكبر من احتياجاتها من الطاقة، ما يجعل أي ارتفاع قوي في أسعار النفط ينعكس سريعًا على فاتورة الواردات، ثم على التضخم المستورد، ثم على كلفة الدعم والإصلاحات الاجتماعية والمالية العامة.

وفي مثل هذا الظرف، يصبح الانتقال إلى درجة أعلى من مرونة سعر الصرف أكثر حساسية، لأن أي ضعف إضافي في الدرهم قد يزيد أثر ارتفاع النفط والحبوب والسلع المستوردة على الأسعار المحلية.

هذا الربط بين صدمة الطاقة وتضييق هامش خفض الفائدة أو تسريع الإصلاحات النقدية ظهر أيضًا في تقارير رويترز الأخيرة عن الأسواق الناشئة المتضررة من قفزة النفط بسبب الحرب على إيران.

ويزداد هذا الحذر أهمية لأن بنك المغرب نفسه كان يتوقع، قبل هذه الصدمة، بقاء التضخم في مستويات منخفضة نسبيًا خلال السنوات المقبلة.

فقد أشارت تقديرات متداولة من البنك إلى تضخم في حدود 0.8% في 2025 و1.3% في 2026 و1.9% في 2027، وهي مسارات تقوم على فرضية بيئة خارجية أكثر هدوءًا مما يحدث الآن.

ومع تبدل هذه الفرضية بسبب النفط، يصبح من الطبيعي أن تعيد السلطات النقدية تقييم سرعة الانتقال نحو مزيد من المرونة.

هناك أيضًا عامل داخلي لا يقل أهمية: المغرب ينفذ أوراشًا استثمارية كبرى ويواصل توسيع الإنفاق على البنية التحتية والخدمات الاجتماعية، بما في ذلك الصحة والتعليم وتقليص الفوارق المجالية، فضلًا عن الاستعدادات المرتبطة بمشاريع كبيرة قبل كأس العالم 2030.

وكانت الحكومة قد أعلنت في أكتوبر 2025 أن الاستثمار العمومي سيرتفع إلى 380 مليار درهم في 2026، في وقت تستمر فيه الضغوط المالية المرتبطة بالإصلاحات الاجتماعية، في مثل هذا السياق، يصبح استقرار العملة أولوية سياسية واقتصادية، لا مجرد خيار تقني للبنك المركزي.

وفوق ذلك، فإن تجربة ما بعد حرب أوكرانيا جعلت السلطات المغربية أكثر وعيًا بخطر الصدمات الخارجية المفاجئة، فخلال السنوات الأخيرة، اضطرت الرباط إلى التعامل مع تضخم مستورد، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، وضغوط اجتماعية داخلية، وكلها عوامل تجعل أي تغيير كبير في سياسة الصرف مسألة شديدة الحساسية.

ولهذا بدا محافظ بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري واضحًا في ديسمبر 2025 عندما تحدث عن مقاربة حذرة تجاه مرونة الدرهم، وربط التقدم فيها بالتحضير الفني والاختبار المسبق لإطار استهداف التضخم.

من هنا، فإن العنوان الأدق اقتصاديًا قد لا يكون “إلغاء التعويم”، بل تأجيل أي خطوة إضافية نحو توسيع المرونة خلال 2026 إذا استمرت الحرب، وبقاء الانتقال الرسمي في 2027 أو حتى ما بعده إذا تفاقمت صدمة النفط والتضخم.

فالمشكلة ليست في مبدأ الإصلاح نفسه بل في توقيته، المغرب لا يريد على الأرجح أن يجمع في لحظة واحدة بين نفط باهظ، وتضخم مستورد، وضغط على القدرة الشرائية، ومرونة أعلى في سعر الصرف.

من الواضح أنه كلما طالت الحرب، وارتفع النفط، واستمر اضطراب مضيق هرمز، زادت احتمالات أن تختار الرباط التريث قبل تنفيذ مرحلة جديدة من تعويم الدرهم المغربي.