الشرق الأوسط

في 17 فبراير، حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت من أن “تركيا هي إيران الجديدة”، مضيفًا أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “خصم متطور وخطير”.

التصريح لم يكن مجرد عبارة سياسية عابرة، بل يعكس تحوّلًا في القراءة الإسرائيلية لموازين القوى في المنطقة، في لحظة يتراجع فيها النفوذ الإيراني التقليدي تحت ضغط عسكري واقتصادي متواصل، بينما تتقدم أنقرة بخطى محسوبة لملء الفراغ.

لم يعد التحدي التركي نظريًا، بل أصبح ماديًا واستراتيجيًا، ويتزايد تجذره المؤسسي، فاستثمارات أنقرة المتنامية في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة والصناعات الدفاعية، وخطابها العدائي الصريح تجاه إسرائيل، وتنافسها المتزايد مع تل أبيب في سوريا، كلها تشير إلى إعادة معايرة متعمدة للقوة الإقليمية.

ومع تقلص النفوذ الإيراني التقليدي تحت وطأة الضغوط العسكرية والاقتصادية المستمرة، فإن الفراغ لا يبقى فارغًا، بل تملأه تركيا بقيادة أردوغان.

في سوريا، باتت البنية السياسية والأمنية لما بعد الحرب متجذرة بعمق في النفوذ الاستخباراتي والعسكري التركي، وقد تجاوزت أنقرة مجرد الانتشار التكتيكي، لتصبح بذلك تُشكّل النتائج.

أما في غزة، فكانت مناقشة إنشاء قوة استقرار دولية تضم قوات تركية أمراً لا يُتصور قبل بضع سنوات فقط، واليوم، باتت هذه المناقشات جزءاً من حوارات سياسية جادة.

بالنسبة لأنقرة، يشكّل الملف الفلسطيني رافعة سياسية داخلية وإقليمية، بينما ترى إسرائيل في أي حضور أمني تركي محتمل في غزة تطورًا حساسًا قد يعيد رسم التوازن جنوبًا، خصوصًا إذا ارتبط بدعم قطري أو بتفاهمات إقليمية أوسع.

من وجهة نظر أنقرة، لا يُمثل التفوق الجوي الإسرائيلي في الشرق الأوسط مجرد اختلال تكتيكي، بل تهديداً استراتيجياً طويل الأمد. وهذا يُفسر جزئياً سعي تركيا المُلحّ للعودة إلى برنامج طائرات إف-35 لايتنينغ 2 وتحديث أسطولها الجوي، فالتكافؤ الجوي لا يُنظر إليه على أنه هيبة، بل رادع.

في الوقت نفسه، ينظر السياسيون الأتراك إلى الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة الحالية على أنها توسعية، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع طموحات أنقرة الإقليمية.

مع تراجع نفوذ العديد من وكلاء إيران أو إعادة تنظيم صفوفهم، ترى تركيا فرصةً لتوسيع نفوذها في سوريا ولبنان وغزة، ما يُعيد تشكيل المحيط الاستراتيجي حول دولة إسرائيل.

ما نشهده ليس مجرد خلافٍ كلامي، بل هو المرحلة الأولى من تنافسٍ بنيويّ إسرائيليّ-تركيّ، يتبلور في ظلّ تراجع إيران النسبيّ.

في القراءة الإسرائيلية لبعض مراكز القرار، يُتهم أردوغان بالسعي لبناء محور إقليمي مدعوم من قطر، يمتد من سوريا شمالًا إلى غزة جنوبًا، مستفيدًا من تراجع أذرع إيران أو إعادة تموضعها.

غير أن القراءة التركية الرسمية تختلف؛ إذ ترى أنقرة نفسها قوة إقليمية طبيعية تسعى لتوسيع نفوذها عبر أدوات سياسية واقتصادية وأمنية مشروعة، في مواجهة ما تصفه بسياسات إسرائيل «التوسعية».

الفرضية التي يطرحها بينيت تشير إلى انتقال مركز الثقل في التهديدات المحتملة من طهران إلى أنقرة، في ظل تراجع نسبي للنفوذ الإيراني المباشر.

وما يقلق إسرائيل أكثر من هذا هو أن القيادة التركية تتبنى وجهات نظر معادية لإسرائيل تزداد يوما بعد يوم خطورة وتقترب من رفع شعار زوال إسرائيل الذي رفعته إيران لعقود طويلة.