
لدى تركيا أطماع واضحة في سوريا وهي توظف المعارضة السورية المسلحة لتحقيق غايتها في احتلال هذا البلد كما تحتل الشمال السوري حاليا.
مرة أرى يتضح هذا في هجوم حلب والدعم القوي الذي حصلت عليه قوات المعارضة المسلحة الإرهابية من تركيا وتحركاتها المريبة لمواجهة الأكراد الذين تدعمهم الولايات المتحدة.
تنظر تركيا إلى سوريا ليس دولة صديقة وجارة وشريكا ولكن امتدادا لأراضيها الشرعية التي يجب استعادتها وهذه هي طريقة تفكير حزب العدالة والتنمية الحاكم.
رغم التقارب التركي مع دول الخليج التي ترفض المنطق التركي لاحتلال الدول العربية المستقلة، يعيد هجوم حلب أطماع تركيا في سوريا والدول العربية إلى الواجهة.
يبدو أن تركيا في ظل قيادة حزب العدالة والتنمية التركي لا يزال متمسكا بالحلم العثماني، وسيستغل أي فرصة لتحقيقه، ومع الضعف الذي تعاني منه إيران وأدواتها حاليا في سوريا بسبب الضربات الإسرائيلية الموجعة، يبدو أن الأتراك يرون في ذلك فرصة لا تتكرر.
يعد هجوم غادرا وصادما بالنسبة لدمشق وحتى الدول العربية التي اعتقدت أن تلك الجماعات قد انتهى أمرها، ومن خلال مراقبتنا لها على أرض الميدان يمكن أن نرى تبعية معظمها لتركيا.
تدعم تركيا المعارضة السورية المسلحة سواء الإسلامية المتشددة مثل جبهة النصرة التي غيرت اسمها إلى هيئة تحرير الشام والتي انفصلت عن القاعدة، أو حتى الجيش السوري الحر الذي يتضمن قيادات منشقة من الجيش السوري.
لكن المعارضة المسلحة يغلب عليها ايمانها بمشروع الخلافة الإسلامية، ولا أحد من القوى تلك يريد بناء دولة مدنية علمانية ديمقراطية حديثة.
لقد أنتجت صناعة الدراما التركية العشرات من المسلسلات والأعمال الفنية التي تلمع الدولة العثمانية والعيش تحث حكم الأتراك الذين يعتبرون العرب تبعا وعبيدا لهم.
إن طموحات تركيا في سوريا تتشكل من خلال تفاعل معقد بين المخاوف الأمنية والديناميكيات الجيوسياسية والضغوط الداخلية.
وتمر الحكومة التركية حالياً بمرحلة حرجة في استراتيجيتها، مع عواقب وخيمة على علاقاتها مع كل من الحكومة السورية والجماعات الكردية المختلفة العاملة داخل سوريا.
تنظر تركيا إلى وجود وحدات حماية الشعب الكردية وقوات سوريا الديمقراطية باعتبارهما تهديدات مباشرة، وتربطهما بحزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية.
ويتمثل الهدف الأساسي لأنقرة في القضاء على هذه الجماعات لمنع إنشاء كيان كردي على طول حدودها الجنوبية، وهو ما تخشى أن يؤدي إلى إلهام الانفصالية داخل تركيا نفسها.
ومن بين الطموحات الكبرى الأخرى تسهيل عودة ما يقرب من 3.6 مليون لاجئ سوري يقيمون حاليًا في تركيا، وقد أصبحت قضية اللاجئين مثيرة للجدال على نحو متزايد على المستوى المحلي، مع تزايد المشاعر المعادية لسوريا بين المواطنين الأتراك.
وبما أن تطبيع العلاقات مع الحكومة السورية لا يزال صعبا ومسار طويل، لدى أنقرة البديل وهو اسقاط نظام بشار الأسد باستخدام الميليشيات الإسلامية المتطرفة التي تستخدمها.
في الوقت الراهن حيث تعاني دمشق بسبب هزيمة حلفائها في الحرب ضد إسرائيل واختيارها الحياد، تستغل تركيا هذا الضعف لمصلحتها لهذا جاء الهجوم على حلب وحماة ودمشق للإطاحة بالنظام السوري.
وتراقب إسرائيل الوضع في سوريا، وليس من مصلحتها وصول المتشددين السنة إلى الحكم في دمشق، وكذلك الإمارات التي عملت منذ سنوات طويلة على مواجهة جماعة الاخوان المسلمين وداعش والمنظمات الجهادية الإرهابية الأخرى.
والمؤكد في النهاية أن المعارضة السورية لا تتحرك من تلقاء نفسها ولا تدافع عن سوريا مستقلة وديمقراطية، بل عن مشروع استعماري تركي وتسليم دمشق والأراضي السورية للإحتلال التركي العثماني.
