الحرب العالمية الثالثة

تنتشر على الإنترنت مزاعم مفادها أن أحد الماسونيين في القرن التاسع عشر تنبأ بثلاث حروب عالمية، وتقول القصة إن رسالة كُتبت عام 1871 وصفت الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، بل وحتى صراعًا عالميًا مستقبليًا بين الإسلام والصهيونية، لكن المشكلة تكمن في أن أحدًا لم يرَ الرسالة الأصلية قط.

القصة تُقدَّم كل مرة بوصفها “نصًا سريًا” يكشف أن كوارث العالم لم تكن حوادث تاريخية، بل مراحل في مخطط طويل.

رسالة هزيمة إيران وانتصار لوسيفر

الرواية المتداولة تنسب هذه “النبوءة” إلى ألبرت بايك، وهو ضابط سابق في الكونفدرالية الأمريكية وشخصية بارزة في الماسونية الأمريكية، وتقول إنه كتب في أغسطس 1871 رسالة إلى الثوري الإيطالي جوزيبي مازيني شرح فيها كيف ستندلع الحربان العالميتان الأولى والثانية، ثم حرب ثالثة مستقبلية تُشعلها مواجهة بين الغرب الداعم للصهيونية والعالم الإسلامي، وتنتهي بانهيار الأديان المنظمة.

ويضيف النص المثير إلى الجدل أنه مع انهيار الأديان المنظمة (المسيحية واليهودية والإسلام..) سيحل محلها ما يصفه النص بـ”عقيدة لوسيفر الخالصة”.

والحقيقة تم استخدام هذا النص أكثر من مرة خصوصا بعد حرب العراق وأفغانستان التي فسرها أتباع نظريات المؤامرة بأنها تنفيذ حرفي للنص.

من هو ألبرت بايك؟ ومن هو جوزيبي مازيني؟

ألبرت بايك (1809–1891) كان محاميًا وكاتبًا وشخصية مؤثرة في الماسونية الأمريكية، وخدم خلال الحرب الأهلية الأمريكية في صفوف الكونفدرالية قبل أن يتفرغ لاحقًا للعمل الفكري والماسوني.

ويُعرف خصوصًا بكتابه “الأخلاق والعقيدة” الصادر عام 1871، وهو أكثر أعماله شهرة، أما جوزيبي مازيني (1805–1872) فكان أحد أهم منظّري الوحدة الإيطالية، ومؤسس حركة “إيطاليا الفتاة”، وعُرف بنشاطه الثوري وشبكاته السياسية السرية في القرن التاسع عشر.

وجود الرجلين في عالم امتلأ آنذاك بالجمعيات السرية والإصلاحات الثورية ساعد لاحقًا على نسج الخرافة، لكنه لا يشكل دليلًا على تبادل رسالة من هذا النوع بينهما.

تذهب بعض الروايات إلى أبعد من ذلك، مدعيةً أن الرجلين كانا جزءًا من برنامج لوسيفر عالمي تديره جماعة المتنورين.

إلا أن المؤرخين يشيرون إلى أن جماعة المتنورين البافارية، التي أسسها آدم وايسهاوبت عام 1776، توقفت فعليًا عن العمل بنهاية القرن الثامن عشر، لا يوجد دليل أرشيفي قاطع يثبت أن مازيني كان على رأسها، أو يُظهر أي صلة واضحة بزمن بايك.

ثلاث حروب عالمية بأهداف مختلفة

يقول المؤمنون إن الرسالة كانت معروضة في المتحف البريطاني ثم اختفت، ولم تُطبع أي نسخة منها قط.

ويؤكد كل من المتحف البريطاني والمكتبة البريطانية عدم وجود أي سجل لها، ومع ذلك، لا يزال النص متداولًا في الكتب والخطب والمنتديات الإلكترونية كدليل على أن الكوارث الكبرى في القرن العشرين لم تكن حوادث، بل خطوات في خطة طويلة الأمد ومدروسة.

بحسب التقارير، تتحدث نسخة الرسالة المتداولة اليوم عن ثلاث حروب مُخطط لها. تقول إن الحرب العالمية الأولى “يجب إشعالها” لإزاحة القياصرة الروس من السلطة واستبدالهم بالشيوعية الإلحادية.

ويجب إشعال فتيل الحرب العالمية الثانية بتصعيد التوترات بين الفاشيين والصهاينة السياسيين، ويزعم النص أن الهدف هو إنشاء دولة يهودية في فلسطين، مع السماح للشيوعية العالمية بالنمو كمنافس للمسيحية.

ويقول النص إن الحرب العالمية الثالثة ستندلع نتيجة تصاعد الصراع بين الدول الغربية الداعمة للصهيونية والعالم الإسلامي. وستؤدي هذه الحرب إلى إضعاف جميع الأطراف، وإلى تغيير جذري في الدين العالمي.

حقيقة نبوءة الماسونية بالحرب العالمية الثالثة

ظاهريًا، يبدو التسلسل منطقيًا، فقد سقطت العائلة المالكة الروسية بعد الحرب العالمية الأولى، وسُحقت الفاشية في الحرب العالمية الثانية، وأُسست إسرائيل عام 1948

هذا التوافق الظاهري مع الأحداث الواقعية هو ما يُبقي هذه الرواية حية، ويشير من يؤمنون بها اليوم إلى الصراع بين إسرائيل وإيران، ودور الولايات المتحدة فيه.

لكن في الواقع لم تظهر الرسالة عام 1871 ولا خلال حياة ألبرت بايك، فقد انتشرت هذه القصة في منتصف القرن العشرين، بشكل رئيسي بفضل ويليام غاي كار وكتابه “بيادق في اللعبة” الصادر عام 1955.

زعم كار أنها عُرضت سابقًا في مكتبة المتحف البريطاني، لكنه لم يُقدّم أي دليل، وتعود أصول القصة إلى ليو تاكسيل، الذي اعترف لاحقًا بأن مزاعمه المعادية للماسونية كانت خدعة.

خدعة تاكسيل لم تكن مجرد إشاعة عابرة، بل مشروعًا دعائيًا كاملاً سخر من خصوم الماسونية والكنيسة معًا، ونجح لأنه لعب على شهوة الناس لتصديق وجود “تنظيم شيطاني” يدير العالم من الظل.

وبعد اعترافه بالخدعة، استمرت بعض مكونات رواياته في الحياة داخل الأدبيات التآمرية، ومنها ما نُسب لاحقًا إلى ألبرت بايك.