
مع استمرار الحرب مع إيران والعدوان الإيراني على دول الخليج العربي تتجه الأنظار إلى الريال السعودي الذي يعد أكبر عملة خليجية ومن أبرز عملات الشرق الأوسط.
هل ينهار الريال السعودي إذا طال أمد الحرب مع إيران؟ قد يبدو السؤال في ظاهره صادمًا، لكنه ليس سؤالًا شعبويًا بقدر ما هو سؤال اقتصادي مشروع في لحظة حرب مفتوحة تضرب النفط، والتجارة، والممرات البحرية، وثقة المستثمرين في الخليج كله.
واقع الريال السعودي في عالم العملات النقدية
حتى الآن، لا توجد مؤشرات تقول إن الريال السعودي يقف على حافة الانهيار، العملة ما تزال مربوطة رسميًا بالدولار عند 3.75 ريال، والبنك المركزي السعودي لم يغيّر هذا الإطار، كما أن صندوق النقد الدولي اعتبر في مشاوراته الأخيرة أن هذا الربط ما يزال مرساة موثوقة للاقتصاد السعودي.
هذا يعني أن أي حديث عن “انهيار” سريع يتجاهل الطبيعة المؤسسية للنظام النقدي السعودي، لأن الدفاع عن العملة هنا يتم عبر الاحتياطيات والسياسة المالية والثقة السيادية، لا عبر ترك السوق يحدد المصير وحده.
هذا يعني أن الحديث عن سقوط سريع للعملة يتجاهل طبيعة النظام النقدي السعودي نفسه؛ فالريال ليس عملة متروكة لمضاربات السوق الحرة، بل عملة تدافع عنها الدولة بسيادتها المالية واحتياطاتها وأجهزتها النقدية.
لكن الاطمئنان الظاهري لا يعني أن الخطر غير موجود، فالأزمات النقدية في الدول القوية لا تبدأ عادة بانهيار مفاجئ على الشاشة، بل تبدأ باستنزاف بطيء في الخلفية: انخفاض في الإيرادات، توسع في العجز، ضغط على الاحتياطيات، ارتفاع في كلفة التمويل، وتراجع في شهية المستثمرين.
وهنا تحديدًا تكمن حساسية الحرب الحالية، فالسعودية لا تواجه فقط توترًا أمنيًا عابرًا، بل تواجه حربًا عطلت جزءًا من صادرات المنطقة النفطية وأربكت المرور عبر هرمز وأجبرت كبار المنتجين على خفض الإنتاج وإعادة ترتيب مسارات التصدير.
من أين يستمد الريال السعودي قوته؟
حتى الآن، ما يزال لدى السعودية خط دفاع مهم جدًا، وتشير بيانات البنك المركزي السعودي إلى استمرار تثبيت سعر الصرف الرسمي عند 3.75 ريال للدولار، بينما أظهرت بيانات حديثة أن الاحتياطيات الأجنبية ارتفعت في يناير 2026 إلى نحو 1.78 تريليون ريال، أي قرابة 475 مليار دولار، وهو أعلى مستوى في نحو ست سنوات وفق تقارير استندت إلى بيانات البنك المركزي نفسه.
هذا الحجم من الأصول لا يجعل العملة منيعة إلى الأبد، لكنه يمنح الدولة قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات والدفاع عن الربط إذا تعرضت السوق لضغوط نفسية أو مالية.
ولهذا السبب تحديدًا لا يبدو حديث “الانهيار” الفوري متماسكًا اقتصاديًا، فالسعودية لا تدخل هذه الحرب باحتياطيات منهكة أو بعملة حرة وضعيفة، بل تدخلها وهي ما تزال تملك أحد أكبر مخزونات الأصول الأجنبية في المنطقة، إلى جانب قدرة مؤسساتية عالية على إدارة السيولة وربط العملة والتعامل مع الأسواق.
انهيار صادرات النفط والحلول البديلة
أفادت رويترز بأن السعودية خفضت إنتاجها النفطي بنحو 20% إلى حوالي 8 ملايين برميل يوميًا وسط تداعيات الحرب، بعدما كانت قد رفعت إنتاجها في فبراير إلى 10.882 ملايين برميل يوميًا قبل اتساع الاضطراب.
وفي الوقت نفسه، تحدثت تقارير دولية عن تعطّل غير مسبوق في تدفقات الطاقة عبر الخليج، وعن لجوء السعودية إلى رفع الاعتماد على خط الشرق-الغرب وموانئ البحر الأحمر لتفادي الاختناق في هرمز.
هذه التحركات تؤكد أن المملكة تملك أدوات مناورة مهمة، لكنها تؤكد أيضًا أن الوضع بعيد عن الطبيعي، وأن تكلفة الحفاظ على التدفقات لم تعد كما كانت قبل الحرب.
صحيح أن ارتفاع أسعار النفط يساعد على تعويض جزء من الفاقد، لكن هذا التعويض ليس كاملًا، لأن الدولة لا تحتاج فقط إلى أسعار مرتفعة، بل تحتاج أيضًا إلى تدفقات مستقرة ومنتظمة، وإلى ممرات تصدير آمنة، وإلى بيئة استثمارية لا تبتلعها الحرب.
وإذا طال أمد الإغلاق أو الاختناق في هرمز، فإن الأثر المالي قد ينتقل من سوق النفط إلى الموازنة، ومن الموازنة إلى الاحتياطيات، ومن الاحتياطيات إلى معنويات السوق، هنا يصبح الدفاع عن الريال أكثر كلفة حتى لو ظل الربط قائمًا.
ورغم أن وزارة المالية السعودية قد أكدت على أن الوضع المالي للمملكة ما يزال قويًا، إلا أنها أقرت أيضًا بأن المملكة سجلت في 2025 عجزًا بلغ 276 مليار ريال مع انخفاض الإيرادات النفطية السنوية بنحو 20% إلى 590 مليار ريال، هذا يعني أن المالية العامة كانت أصلًا تحت ضغط قبل أن تتحول الحرب إلى استنزاف مفتوح.
