
يرى الاقتصادي روبن بروكس، الباحث في مؤسسة بروكينغز، أن السعودية قد تكون الرابح الوحيد تقريبًا من الحرب الحالية، بعدما عوض ارتفاع أسعار النفط تراجع الصادرات، ثم دفع الإيرادات النفطية إلى مستويات أعلى بكثير مما كانت عليه قبل اندلاع القتال.
وفي تحليل بعنوان السعودية تربح هذه الحرب، أجرى بروكس مقارنة بين ثلاثة مستويات رئيسية للصادرات والأسعار، وخلص إلى أن المملكة انتقلت من إيرادات نفطية سنوية تقدر بنحو 150 مليار دولار قبل الحرب إلى حوالي 210 مليارات دولار حاليًا، أي زيادة تقارب 60 مليار دولار على أساس سنوي.
من 150 إلى 210 مليارات دولار
قبل الحرب، كانت السعودية تصدر نحو 7 ملايين برميل يوميًا مع سعر لخام برنت يقارب 60 دولارًا، وهو ما يعادل إيرادات سنوية في حدود 150 مليار دولار وفق حسابات بروكس.
وعند ذروة الصراع في مارس وأبريل، هبطت الصادرات إلى أقل بقليل من 4 ملايين برميل يوميًا، لكن برنت كان قريبًا من 110 دولارات، ما رفع الإيرادات السنوية النظرية إلى نحو 160 مليار دولار. وبعبارة بروكس، فإن «ارتفاع أسعار النفط عوض أكثر من كامل الانخفاض في حجم الصادرات».
أما حاليًا، ومع تعافي الصادرات إلى نحو 5.5 ملايين برميل يوميًا ووصول برنت في حساباته إلى قرابة 105 دولارات، فيقدر بروكس العائدات السنوية بنحو 210 مليارات دولار، أي بزيادة 60 مليارًا عن مستويات ما قبل الحرب.
مكاسب تعادل 6% من الناتج المحلي
يضع بروكس هذه الأرقام في سياق أوسع، مشيرًا إلى أن الناتج المحلي الاسمي للسعودية بلغ في السنوات الأخيرة نحو تريليون دولار في المتوسط، ما يجعل الزيادة المقدرة في عائدات النفط تعادل تقريبًا 6% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويرى أن هامش الأمان ما يزال واسعًا، إذ إن السعودية عند مستوى صادرات يبلغ 5.5 ملايين برميل يوميًا تحتاج إلى هبوط برنت إلى ما دون 75 دولارًا بوضوح حتى تصبح إيراداتها أقل مما كانت عليه قبل الحرب.
أسعار برنت أعلى من فرضية بروكس
اللافت أن فرضية بروكس نفسها، القائمة على سعر قريب من 105 دولارات للبرميل، تبدو محافظة مقارنة ببعض الأسعار المسجلة فعليًا في نهاية سبتمبر.
فبيانات الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس أظهرت أن خام برنت سجل 113.96 دولارًا في 29 سبتمبر، بعدما بلغ 119.97 دولارًا في اليوم السابق، وهي مستويات أعلى من السعر الذي استخدمه بروكس في حساباته.
وهذا يعني أن الإيرادات الفعلية قد تكون أعلى من تقديره في الفترات التي بقيت فيها الأسعار عند تلك المستويات، مع بقاء حجم الصادرات هو العامل الثاني الحاسم.
خط شرق-غرب أنقذ الصادرات من الهبوط إلى الصفر
يولي بروكس أهمية كبيرة لخط أنابيب شرق-غرب السعودي، الذي يسمح بنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر وتجاوز مضيق هرمز.
ويرى أن الهجوم الذي تعرض له الخط أعطى انطباعًا بأن المملكة أصبحت تحت ضغط شديد، لكن الحقيقة الأهم في نظره هي أن السعودية لم تصل في أي مرحلة إلى توقف كامل للصادرات، حتى في أسوأ أيام الحرب.
وقد بدأت الصادرات السعودية تتعافى لاحقًا مع تحسن حركة الناقلات عبر هرمز واستمرار تدفقات البحر الأحمر، في وقت بقيت أسعار النفط مرتفعة نتيجة المخاطر الجيوسياسية. وتشير تقارير حديثة إلى أن صادرات الشرق الأوسط اقتربت مجددًا من مستويات ما قبل الحرب.
لماذا يعتقد بروكس أن استمرار الحرب يفيد السعودية؟
يكتب بروكس بوضوح: «كلما طال أمد هذا الصراع، كان ذلك أفضل للسعودية»، وهو استنتاج يبنيه على معادلة بسيطة: طالما بقيت أسعار النفط مرتفعة فوق مستوى يعوض انخفاض الكميات، تستمر المملكة في تحقيق إيرادات أكبر من فترة ما قبل الحرب.
كما يشير إلى أن السعودية والإمارات ضغطتا على واشنطن من أجل الإبقاء على الحصار المفروض على إيران، معتبرًا أن على الدول المستفيدة من ارتفاع الأسعار أن تتحمل جزءًا أكبر من كلفة حماية الملاحة وتأمين ناقلات النفط. وهذه قراءة سياسية واقتصادية تخص بروكس نفسه، وليست موقفًا محايدًا متفقًا عليه.
تصعيد أمريكي جديد في المنطقة
يتزامن ذلك مع تعزيز أمريكي جديد للقوات في الشرق الأوسط، إذ ذكرت «وول ستريت جورنال» أن واشنطن ترسل حاملة طائرات ثالثة وما يصل إلى 10 آلاف جندي إضافي إلى المنطقة، في وقت تدرس فيه الإدارة الأمريكية خيارات عسكرية جديدة تجاه إيران.
كما أكدت وكالة أسوشيتد برس أن الانتشار الجديد يشمل آلاف الجنود ومجموعة حاملة إضافية، وسط استمرار التوتر حول مضيق هرمز والمفاوضات غير المباشرة مع طهران.
ولا يعني هذا أن ضربة جديدة باتت محسومة، إذ لا تزال التحركات العسكرية تستخدم أيضًا كورقة ضغط في المفاوضات، لكن استمرار التوتر وحده يكفي لإبقاء علاوة المخاطر مرتفعة في أسعار النفط.
السعودية تربح ماليًا.. لكن المعادلة قابلة للتغير
حتى الآن، تدعم الأرقام حجّة بروكس بأن السعودية استفادت ماليًا من الحرب أكثر مما تضررت منها، على الأقل من زاوية إيرادات النفط.
لكن هذه المعادلة ليست ثابتة، فإذا انخفض برنت بحدة، أو تعرضت صادرات المملكة لضربة جديدة، أو أُعيد فتح خطوط إمداد إيرانية كبيرة، فقد تتراجع المكاسب بسرعة.
ولهذا تبقى ثلاثة مؤشرات أساسية حاسمة: سعر برنت، وحجم الصادرات السعودية، ومسار التصعيد الأمريكي الإيراني.
أما في الوضع الحالي، فإن المفارقة واضحة: الحرب خفضت صادرات السعودية في ذروتها بنحو ثلاثة ملايين برميل يوميًا، لكنها رفعت قيمة ما بقي من تلك الصادرات بدرجة جعلت المملكة تحقق إيرادات أعلى مما كانت تحققه قبل اندلاعها.
