
ستصبح الفوضى العنيفة التي تجتاح فرنسا الوضع الطبيعي الجديد للجمهورية الخامسة، ورغم أن تشديد الإجراءات الأمنية والغضب الشعبي سيؤديان في نهاية المطاف إلى إخماد أعمال الشغب الحالية، فإن اضطرابات أكبر تنتظر البلاد.
لقد أصبحت أعمال الشغب في الشوارع جزءًا متجذرًا من الثقافة السياسية الفرنسية، وهي وسيلة سهلة للتسلية بالنسبة إلى مثيري الشغب، وشكل مشوه من أشكال تكريم الثورة الفرنسية بالنسبة إلى الأيديولوجيين اليساريين.
لكن الفوضى المقبلة ستكون على الأرجح مختلفة تمامًا من حيث الحجم عما نشهده الآن. والسبب هو الفاتورة الباهظة للاشتراكية، وتحديدًا وصول الديون إلى مستويات الأزمة، والارتفاع الحاد في تكاليف الاقتراض، ورفض فرنسا خفض الإنفاق.
ينظر كثير من الأمريكيين إلى مشاهد النهب ومعارك الشوارع المتواصلة التي تظهر على شاشات التلفزيون من منظور فشل سياسة الهجرة. لكن الهجرة ليست سوى واحدة من المشكلات هنا. فالمشكلة الأساسية في فرنسا هي أن حكومتها تنفق أموالًا أكثر مما ينبغي، وتهيمن بصورة مفرطة على الاقتصاد على حساب مواطنيها.
والحقائق هنا لا تقبل الإنكار. تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في فرنسا اليوم 118%. ويقترب معدل البطالة بين الشباب من 20%، أي ضعف نظيره في الولايات المتحدة. ويبلغ معدل البطالة الإجمالي في فرنسا 8.3%، مقارنة بـ4.1% في الولايات المتحدة. كما بلغ متوسط النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة خلال السنوات العشر الماضية ما بين 2.1% و2.3%، مقابل 1.1% إلى 1.3% في فرنسا.
وإضافة إلى ذلك، تتقدم التركيبة السكانية الفرنسية في العمر بسرعة، ما يحرم حكومة تعاني أصلًا نقص الإيرادات واقتصادًا يعاني نقص فرص العمل من الموارد.
ما دور الهجرة في أزمة فرنسا؟
على عكس الولايات المتحدة، حيث يميل المهاجرون إلى تسجيل معدلات مرتفعة من المشاركة في سوق العمل، يواجه كثير من المهاجرين الفرنسيين من الجيل الأول أو الثاني صعوبات في العثور على وظائف جيدة. فسوق العمل الفرنسية أكثر تقييدًا بكثير في ممارسات التوظيف والفصل، ما يثني أصحاب العمل عن المجازفة بتوظيف المتقدمين ذوي المهارات المحدودة أو الذين ليست الفرنسية لغتهم الأم.
ولهذا فإن وضع القدم على أولى درجات سلم الحراك الاجتماعي أصعب بكثير في فرنسا منه في الولايات المتحدة.
ورغم ادعاءاتها بشأن المساواة المكفولة دستوريًا، يعاني المجتمع الفرنسي أيضًا من تحيزات عنصرية صامتة لكنها ممنهجة. وإلى جانب المتطلبات التنظيمية العبثية المتعلقة بالتوظيف، يصعب في فرنسا الوصول إلى فرص العمل غير الرسمي التي يفضلها المهاجرون غالبًا.
لكن مثلما تفشل فرنسا في تقديم حافز الحراك الاقتصادي للمهاجرين، فإنها تفشل أيضًا في استخدام العصا الضرورية. فقد سمح الإخفاق في مواجهة الإجرام المتفشي في ضواحي المدن الفرنسية الكبرى للمجرمين بفرض سيطرتهم الفعلية على أحياء بأكملها.
وتمثل مدينة مرسيليا الساحلية الجنوبية صورة واضحة لهذا الخلل. ويظهر الأثر الاجتماعي الأوسع في انتشار الشعور بالإفلات من العقاب. وبين معدلات الجريمة المرتفعة وبرامج الرعاية الاجتماعية السخية، يصبح المهاجرون منفصلين عن بقية المجتمع. ومن دون الحصول على تعليم جيد وفرص عمل مناسبة، يفسح الاندماج الثقافي المجال أمام العزلة المتعمدة.
ماذا سيحدث بعد ذلك؟
من الممكن أن يستغل حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف الغضب الشعبي من أعمال الشغب الحالية لحشد الدعم وضمان انتخاب مارين لوبان رئيسة للجمهورية في الربيع المقبل. لكن حتى لو فازت لوبان، وحتى لو تمكنت من تطبيق قوانين صارمة بشأن الهجرة، فمن المرجح أن تعود مجتمعات المهاجرين إلى الشوارع بغضب أشد. ومع ذلك، ستندلع المزيد من أعمال الشغب بغض النظر عما سيحدث.
لماذا؟ إنه الاقتصاد أيها الغبي.
سواء شددت فرنسا إجراءاتها ضد الهجرة أو طردت غير المواطنين من أراضيها، فإن التحدي الأساسي سيبقى قائمًا. فالاقتصاد ضعيف، والحكومة تقترب من نقطة الانهيار فيما يتعلق بحجم الأموال الإضافية التي تستطيع اقتراضها. والشيطان يكمن في الأرقام. إذ يشكل الإنفاق الحكومي الفرنسي اليوم نسبة مذهلة تبلغ 57% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 34% في الولايات المتحدة عند احتساب إنفاق الحكومات الفيدرالية وحكومات الولايات والسلطات المحلية.
ويزاحم هذا الإنفاق الاستثمارات الخاصة، بينما يتطلب فرض معدلات ضريبية عقابية. لقد عاش الاقتصاد طويلًا تحت قبضة الحكومة، وهو الآن يحتضر تحت سيطرتها.
وفي الوقت نفسه، صُمم نظام التقاعد الفرنسي، الذي يعادل نظام الضمان الاجتماعي الأمريكي، ليناسب أوائل القرن العشرين بدلًا من القرن الحادي والعشرين. فسن التقاعد المعتاد منخفض بصورة سخيفة عند 63 عامًا، مع قدرة كثير من الأفراد على التقاعد قبل ذلك بكثير والحصول على مزايا كاملة وسخية للغاية.
وقد جرى التخلي عن محاولات الإصلاح المحدودة بسبب الضغوط السياسية. لكن بدلًا من الاعتراف بأن هذه مشكلة يجب إصلاحها، يقدم الطامحون إلى الرئاسة في العام المقبل للناخبين مجموعة متنوعة من الأكاذيب.
تتعهد لوبان بخفض النفقات المرتبطة بالهجرة، لكنها تقول أيضًا إنها ستخفض سن التقاعد أكثر! ولا توجد أي طريقة يمكن أن تستقيم بها هذه الحسابات. فلا يمكنك زيادة الإنفاق على معاشات التقاعد لسكان يتقدمون في العمر، وفي الوقت نفسه طرد المقيمين الذين هم في سن العمل. إنها أفكار تستميل الحمقى.
ولا يقل حماقة عن ذلك تعهد جان لوك ميلانشون، المنتمي إلى أقصى اليسار، بأن المشكلات المالية الفرنسية يمكن حلها من خلال زيادة استنزاف أصحاب الدخول المرتفعة والثروات الكبيرة والشركات. فهذا النهج لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة الاقتصادية الفرنسية، مع التسبب في هجرة جماعية لرؤوس الأموال الخاصة.
ويريد ميلانشون أيضًا أن ينتهك البنك المركزي الفرنسي قواعد الاتحاد الأوروبي، وأن يتخلف فعليًا عن سداد الديون التي يحتفظ بها. لكن ذلك سيكون أشبه بمحاولة معالجة التضخم المرتفع من خلال طباعة المزيد من الأموال.
وستنظر أسواق السندات والمستثمرون الدوليون إلى فرنسا باعتبارها دولة غير صالحة للاستثمار على الإطلاق. أما المرشحون الوسطيون الآخرون، فلا يقدمون سوى مقترحات أقل عبثية بقليل. والحقيقة الأساسية هي أن السياسيين ومعظم الفرنسيين يرفضون الاعتراف بأنهم يتجهون نحو هاوية مالية. لكن الحقائق الاقتصادية ستجبر البعض في نهاية المطاف على فتح أعينهم.
فمع إدراك المستثمرين بصورة متزايدة أن الحكومة المقبلة غير راغبة في إجراء إصلاحات جذرية أو غير قادرة عليها، سيطالبون بعلاوات مخاطر أعلى باستمرار مقابل إقراض فرنسا المزيد من الأموال. وسيؤدي ذلك إلى خنق المالية العامة، إذ ستُضطر الحكومة إلى إعادة تخصيص الإيرادات لمواجهة ارتفاع العوائد التي تطلبها أسواق السندات. لكن الحكومة المستقبلية ستُجبر في نهاية المطاف، خلال السنوات القليلة المقبلة، على الاختيار بين تخفيضات كبيرة في الإنفاق، قد يعرقلها تصويت برلماني بحجب الثقة، أو الانهيار الاقتصادي.
ففي نهاية المطاف، إذا رفضت الحكومة التخفيضات، سترتفع أسعار الفائدة على القروض العقارية والاستهلاكية بصورة حادة، وستتوقف البنوك عن الإقراض، وستهرب رؤوس الأموال الخاصة إلى دول أوروبية أخرى، وسيتدخل الاتحاد الأوروبي بإجراءات صارمة. وهذا يعيدنا إلى احتمال اندلاع أعمال الشغب.
من المؤكد أن كثيرًا من الفرنسيين سينزلون إلى الشوارع في مثل هذا السيناريو من الأزمات. سيتظاهر كثيرون بصورة سلمية، بينما لن يفعل آخرون ذلك. وإذا وقعت الصدمة الاقتصادية، فسينزلون إلى الشوارع وهم يعيشون تحت ضغوط اقتصادية شديدة.
وسيعمل الانتهازيون السياسيون على تأجيج الغضب، بينما سيسعى مثيرو الشغب واللصوص وغيرهم من المجرمين إلى استغلال الفرص وسط قوات شرطة يُرجح أن تكون عاجزة عن السيطرة على الوضع.
ولن ينتهي الأمر سريعًا. فإما أن تشق فرنسا طريقها بصعوبة نحو استعادة ثقة أسواق السندات، أو سيصر البنك المركزي الأوروبي على إجراء تخفيضات هيكلية في الإنفاق مقابل تقديم حزمة إنقاذ مالي.
هل سيقبل الفرنسيون الدواء المر؟ هل سيقبلون رفع سن التقاعد بما يتناسب مع زيادة متوسط العمر المتوقع، والإنهاء العام للتقاعد المبكر بمزايا كاملة، وأسبوع العمل المكون من 35 ساعة، وإجراء تخفيضات كبيرة في التوظيف بالقطاع العام، وتحرير سوق العمل، وإصلاح تكاليف نظام الرعاية الصحية؟
ستؤثر هذه الإصلاحات على جميع أفراد المجتمع، وستثير الغضب والذهول. وستتصاعد الدعوات إلى «فريكست»، أي خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي. لكن إذا لم تُنفذ إصلاحات محلية للإنفاق، أو إصلاحات ضمن برنامج إنقاذ مالي من الاتحاد الأوروبي، فما البديل؟ لن يمول أحد دولة تقف على حافة الهاوية. فإما أن تخفض فرنسا إنفاقها، أو تتحول إلى دولة فاشلة.
ومن شبه المؤكد أن الشوارع الفرنسية مقبلة على أيام كثيرة أخرى من الغضب.
بقلم توم روغان كاتب ومحرر متخصص في السياسة الخارجية في صحيفة واشنطن إكزامينر.
