هدير عبد الرازق

أرجأت الدائرة الأولى للحقوق والحريات بمحكمة القضاء الإداري نظر الدعوى المقامة من هدير عبد الرازق، والطاعنة على تطبيق عبارة «الاعتداء على أي من المبادئ أو القيم الأسرية في المجتمع المصري» الواردة في المادة 25 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، إلى جلسة 8 يوليو 2026، وذلك لإتاحة الاطلاع والرد من جانب هيئة قضايا الدولة.

وبحسب ما نُشر عن أوراق الدعوى، فإن الطعن لا يهاجم حكماً قضائياً بعينه فقط، بل يستهدف ما تصفه المدعية بـ«القرار الإداري السلبي» المتمثل في امتناع الجهات المختصة عن اتخاذ خطوات تشريعية أو تنفيذية لتعليق أو تجميد تطبيق هذا النص محل النزاع.

معركة قانونية تتجاوز اسم هدير عبد الرازق

الدعوى، المقامة عبر المحامي هاني سامح، تحاول نقل الجدل من ساحة القضايا الفردية إلى مستوى أوسع يتعلق بفلسفة النص نفسه. فالعريضة ترى أن عبارة «القيم الأسرية» صيغت بشكل عام وفضفاض، ومن دون تعريف قانوني منضبط، بما يجعلها قابلة لتفسيرات متعددة ومتباينة من جهة إلى أخرى.

ووفق هذا المنطق، فإن معيار التجريم يصبح غير محدد على نحو كافٍ، وهو ما تعتبره الدعوى مخالفة لمبدأ الشرعية الجنائية واليقين القانوني المنصوص عليه دستورياً، حيث لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص واضح ومحدد.

أزمة النص: من يحسم معنى «القيم الأسرية»؟

الدعوى تقول إن ترك العبارة على هذا القدر من العمومية يحولها إلى أداة مفتوحة للتجريم، تسمح بتقديرات ذاتية قد تختلف باختلاف الجهة أو المناخ الاجتماعي أو المزاج العام، وهو ما يهدد استقرار المراكز القانونية ويقوض مبدأ الأمن القانوني.

هنا لا يعود الخلاف فقط حول محتوى رقمي أو سلوك فردي، بل حول ما إذا كان القانون نفسه قد صيغ بلغة تسمح بتوسيع العقوبة إلى ما وراء الحدود الدقيقة التي يفترضها الدستور.

الدعوى تهاجم «تفتيشاً أخلاقياً» وتربطه بنموذج وافد

أكثر أجزاء الدعوى إثارة للجدل تمثل في وصفها التطبيق العملي للنص بأنه أتاح، وفق تعبيرها، نوعاً من الرقابة الأخلاقية والاجتماعية ذات الطابع المتشدد، بل وذهبت إلى ربط ذلك بما سمته «منظومات وافدة أفغو–إيرانية».

هذا الوصف، كما ورد في تغطية القضية، يقدم النص باعتباره باباً لإحياء نمط من “التفتيش الأخلاقي” الذي لا ينسجم، بحسب مقدمي الطعن، مع التاريخ الثقافي المصري الذي تشكل عبر السينما والمسرح والموسيقى والإنتاج التلفزيوني المنفتح.

ومن ثم، فإن إبقاء النص بلا ضبط تشريعي أدق، في رأيهم، لا يمس فقط الحقوق الفردية، بل يفتح الباب لتقييد أوسع للفن والتعبير.

حرية الإبداع في قلب الطعن

استندت الدعوى كذلك إلى المادة 67 من الدستور، التي تضع حماية خاصة لحرية الإبداع وتحظر توقيع عقوبات سالبة للحرية في جرائم النشر أو الإبداع الفني إلا في نطاق ضيق.

ومن هذا المنطلق، تعتبر العريضة أن استخدام نص «القيم الأسرية» في ملاحقة محتوى رقمي أو تعبير فني يتجاوز الحدود الدستورية، ويخلق مناخاً من الخوف وعدم اليقين لدى صناع المحتوى والمبدعين.

هذا الأثر، بحسب الطعن، لا يقف عند الأفراد، بل يمتد إلى الاقتصاد الإبداعي نفسه، حين يصبح الخوف من التأويل أو الملاحقة جزءاً من عملية الإنتاج الثقافي.

من الحكم الجنائي إلى القضاء الإداري

وتشير أوراق الدعوى إلى أن هدير عبد الرازق سبق أن أُدينت استناداً إلى هذا النص، وهو ما دفعها إلى سلوك مسارين متوازيين: الأول عبر الطعن بالنقض على الحكم الصادر ضدها، والثاني عبر اللجوء إلى القضاء الإداري للطعن على امتناع الدولة عن تعليق تطبيق النص لحين حسم الجدل بشأن دستوريته.

ووفق هذا المسار، فإن القضية لم تعد مجرد نزاع على واقعة بعينها، بل محاولة لاختبار مدى قابلية النص للاستمرار في صورته الحالية داخل المنظومة القانونية.

ما الذي تطلبه الدعوى بالضبط؟

بحسب المنشور عن الدعوى، فإن الطلبات العاجلة تركز على وقف تنفيذ القرار السلبي المنسوب إلى الجهات المختصة، وما يترتب عليه من آثار، وفي مقدمتها وقف تنفيذ العقوبة المقضي بها، تمهيداً لإلغاء هذا القرار وإلزام الجهات المعنية باتخاذ ما يلزم لتعليق تطبيق النص أو إعادة صياغته تشريعياً بما يتفق مع الدستور.

وقد اختصمت الدعوى كلاً من رئيس مجلس الوزراء، والنائب العام، ورئيس مجلس النواب، ووزير العدل، بصفتهم.

لماذا تستحق هذه القضية المتابعة؟

لأنها لا تختبر فقط حدود قانون واحد، بل تعكس صداماً أوسع بين رؤيتين: رؤية تعتبر النص أداة لحماية المجتمع وضبط المجال الرقمي، وأخرى ترى أنه صار مظلة فضفاضة يمكن أن تُستخدم ضد حرية التعبير والإبداع تحت عناوين أخلاقية مطاطة، وتأجيل نظر الدعوى إلى 8 يوليو 2026 يعني أن هذا الصدام لم يصل بعد إلى لحظته الحاسمة، لكنه دخل بالفعل إلى ساحة أكثر خطورة: ساحة تعريف ما يجوز وما لا يجوز باسم القانون، ومن يملك حق رسم هذا الحد الفاصل في مصر.