أوكرانيا الحرب الجيش

قد تكون الحرب في أوكرانيا آخر حرب تخوضها روسيا، إذ تجاوز عدد ضحاياها 1.2 مليون قتيل، ما قد يعني أنها ستكون آخر حرب تخوضها روسيا، أو على الأقل آخر حرب كبرى تستطيع خوضها بفعالية في هذا القرن.

إنها آخر فرصة لروسيا للسيطرة على جبال الكاربات، التي تمتد على مسافة 1500 كيلومتر عبر وسط وشرق أوروبا.

تمتد هذه الجبال من الغرب إلى الشرق على شكل قوس من جمهورية التشيك إلى رومانيا، أما سلسلة جبال تاترا، الواقعة بين سلوفاكيا وبولندا، فهي حديقة وطنية تضم العديد من القمم التي يزيد ارتفاعها عن 2400 متر.

يقع أكثر من نصف سلسلة جبال الكاربات في رومانيا، حيث تُعد غابات التنوب موطنًا للدببة البنية والذئاب والوشق.

بحسب الكاتب والمؤلف والمحلل الأمريكي بيتر زيهان، بدأ الروس الحرب على أوكرانيا في عام 2014 بالغزو الأول، حيث استولوا على شرق أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، ثم شنوا الغزو الثاني لأوكرانيا في عام 2022 لأن هذه كانت الفرصة الأخيرة للروس لامتلاك القدرات اللازمة لشن هذا النوع من الحرب.

أقصد بهذا النوع من الحروب الحروب التي تُشنّ على غرار الحرب العالمية الثانية (1939-1945) أو الحرب الكورية (1950-1953)، حيث تشهد تحركات واسعة النطاق للجيوش الآلية وتعبئة للموارد الوطنية، في مواجهة عدو كل دولة.

أما بالنسبة للحرب الأوكرانية، فيمكننا أن نشهد تحولها إلى حرب شاملة مع تعبئة الشعبين الأوكراني والروسي.

في أبريل 2024، بلغ قوام الجيش الأوكراني حوالي 2.2 مليون فرد، منهم 900 ألف جندي في الخدمة الفعلية و1.2 مليون جندي احتياطي، بينما بلغ قوام الجيش الروسي حوالي 1.32 مليون جندي في الخدمة الفعلية ومليوني جندي احتياطي.

كما وقّع الرئيس زيلينسكي قانون تعبئة جديدًا لزيادة عدد القوات، وتعمل أوكرانيا على تشكيل المزيد من ألوية المشاة الآلية والميكانيكية.

يضم سلاح الجو الأوكراني 35 ألف فرد و207 طائرات، تركز عقيدة الجيش الأوكراني على الدفاع ضد روسيا، وتناقش أوكرانيا قانونًا لتوسيع معايير تجنيد الجنود الجدد.

وفقًا لتقرير وكالة رويترز، نشر الجيش الروسي 180 ألف جندي، ليصل عدد جنوده العاملين إلى 1.5 مليون جندي في 16 سبتمبر، ما يجعله ثاني أكبر جيش بعد الصين.

يخوض الروس هذه الحرب الآن لأنها فرصتهم الأخيرة للسيطرة على ثغرات الغزو التي كانت تعيق تقدم روسيا من الغرب، والتي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي من عام 1945 حتى سقوط جدار برلين عام 1989، ثم سقوط الاتحاد السوفيتي نهائياً عام 1990.

من وجهة نظر الأمن الروسي، لا بد من السيطرة على ليتوانيا، وإستونيا، ولاتفيا، وبولندا، وأوكرانيا، وتركيا، أو بالأحرى، المناطق المحيطة بإسطنبول/القسطنطينية، ورومانيا، وفنلندا، لتحقيق الأمن المتعمق الذي توفره السيطرة على هذه المناطق.

لهذا السبب يأمل فلاديمير بوتين في تعزيز الأمن القومي الروسي من خلال السيطرة على الدول التابعة له، لضمان سلامة روسيا؛ فالهدف الأساسي للشعب الروسي، بمختلف أشكاله، سواءً كانت إمبريالية أو شيوعية أو غيرها، هو الأمن القومي.

ولسوء حظ الروس، مع انسحاب الولايات المتحدة من التزاماتها الأمنية بعد الحرب العالمية الثانية، ثم توسعها مجدداً في التسعينيات مع انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، فإن الدول الأوروبية المنضمة إلى حلف الناتو، سواءً كان ذلك في صالحها أم لا، تكتسب خبرةً في الحروب.

لقد ضمنت الولايات المتحدة الأمريكية السلام في قارة أوروبا لأكثر من ثمانين عاماً، ويصعب على الأجيال الحالية أن تتذكر أن أوروبا هي أكثر قارات العالم دموية.

تضم أوروبا دولاً مستقلة ذات تاريخ حافل بالحروب، تسعى كل منها، في وقتها، إلى الهيمنة على منطقتها في القارة، والآن، تتحد كل هذه الدول في عدم ثقتها بروسيا، وخوفها منها، واستيائها منها، وهو وضع لا يُحسد عليه لأي دولة.