ميناء طنجة المغرب

بات المغرب اليوم يجسد اليوم أحد أوضح نماذج ما يعرف باستراتيجية Friendshoring، أي نقل سلاسل التوريد الحساسة إلى دول تجمع بين القرب الجغرافي والموثوقية السياسية والاستقرار المؤسسي.

هذا ما خلص إليه تقرير نشرته صحيفة “أتلاير” المتخصصة في الشؤون الإستراتيجية استند إلى تحليل صادر عن المعهد الدولي للدراسات الجيوسياسية.

لم يعد الغرب يبحث فقط عن أرخص مكان للإنتاج أو العبور، بل عن شريك آمن يمكن الاعتماد عليه حين تنفجر الأزمات في الممرات البحرية أو تتعطل سلاسل الإمداد أو تتحول الجغرافيا إلى تهديد، وقد أصبح المغرب شريكا يعتمد عليه.

من بلد عبور إلى شريك لا يمكن تجاوزه

تكمن أهمية هذا التوصيف في أنه ينقل المغرب من خانة “الاستفادة من الموقع” إلى خانة “إعادة تشكيل الخرائط الاقتصادية”، فالدول الكبرى، خصوصا في أوروبا والولايات المتحدة، لم تعد تنظر إلى التجارة العالمية بالمنطق القديم نفسه.

السنوات الأخيرة كشفت هشاشة الاعتماد المفرط على سلاسل توريد بعيدة، وعلى ممرات بحرية يمكن أن تُشل في أي لحظة بسبب الحروب أو الهجمات أو التنافس بين القوى الكبرى. وهنا تحديدا يظهر المغرب كحل عملي، لا كشعار سياسي.

ففي الوقت الذي يعيش فيه مضيق هرمز توترات مستمرة، ويتعرض فيه البحر الأحمر لاختناقات أمنية وعسكرية، يبرز المغرب باعتباره نقطة ارتكاز بديلة وأكثر استقرارا، بفضل ما وصفه التقرير بالقوس اللوجستي” المغربي، الذي يضم طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي.

هذه المنظومة لا تقدم مجرد موانئ متطورة، بل تطرح تصورًا جديدًا لمرور التجارة والطاقة بين المتوسط والأطلسي، بعيدًا عن بعض أكثر النقاط اشتعالًا في العالم.

طنجة ليست وحدها

الرهان هنا لا يتعلق بميناء واحد مهما بلغت أهميته، بل ببنية لوجستية متكاملة، فطنجة المتوسط رسخ خلال السنوات الماضية صورة المغرب كأحد أهم الممرات التجارية في المتوسط، لكن الجديد في القراءة الإسبانية هو أنها ترى في مشاريع مثل الناظور غرب المتوسط امتدادا إستراتيجيا لهذه القوة، وليس مجرد إضافة تقنية أو استثمارية.

بحسب هذا المنطق، لا يبني المغرب موانئ فقط، بل يبني “شبكة نجاة” بديلة للتجارة العالمية، فعندما تصبح الممرات التقليدية عرضة للاضطراب، تصبح الدول القادرة على توفير بدائل آمنة أكثر أهمية من كثير من القوى العسكرية نفسها.

والمغرب هنا لا يعرض فقط موانئ حديثة، بل يعرض شيئا نادرا في هذه المرحلة وهي الموثوقية والإستقرار الذي يتمتع إليه إلى جانب قربه من الإتحاد الأوروبي.

ما الذي يملكه المغرب ولا يملكه كثيرون؟

التقرير الإسباني يربط صعود المغرب بثلاثة عناصر نادرا ما تجتمع بالقوة نفسها في دولة واحدة: الموقع الجغرافي، والاستقرار السياسي، والقدرة على المناورة الدبلوماسية.

فالمغرب قريب جدا من أوروبا، مندمج بعمق في محيطه المتوسطي، ومنفتح في الوقت نفسه على إفريقيا والأطلسي، لكنه لا يكتفي بهذا الامتياز الجغرافي الطبيعي، بل يعززه بعلاقات إستراتيجية متعددة الاتجاهات.

فمن جهة، يحتفظ بشراكة استثنائية مع الولايات المتحدة بصفته حليفا رئيسيا خارج الناتو، ومن جهة أخرى، يطور شراكة متقدمة مع الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه يدفع بأجندة إفريقية متنامية عبر مشاريع الربط والانفتاح جنوبا، خصوصا من خلال المبادرة الأطلسية.

هذا التوازن يمنح الرباط مساحة حركة لا تملكها كثير من الدول، فهي ليست مجرد تابع اقتصادي لهذا القطب أو ذاك، بل منصة يلتقي عندها أكثر من محور دولي.

ولهذا يرى التقرير أن المغرب يملك قدرة فريدة على التحاور مع قوى متباينة مثل الولايات المتحدة وأوروبا من جهة، والصين وروسيا من جهة أخرى، وهو ما يجعله شريكا مفيدا في عالم لا يحب الفراغ.

الصعود الصناعي للمغرب

الأهمية المتزايدة للمغرب لا تتوقف عند النقل والموانئ، فالتقرير يربط ذلك بتحول صناعي متسارع يعزز موقع المملكة داخل سلاسل القيمة العالمية، لا سيما في القطاعات عالية التقنية.

ومن أبرز الأمثلة التي استند إليها افتتاح وحدة جديدة لمجموعة سافران الفرنسية في نواصر لإنتاج أنظمة هبوط الطائرات، باستثمار يتجاوز 280 مليون يورو ويعتمد بالكامل على الطاقة النظيفة.

هذا المثال ليس تفصيلا دعائيا، بل مؤشر على شيء أعمق: المغرب لم يعد فقط موقعا مناسبا للشحن وإعادة التوزيع، بل بدأ يرسخ نفسه أيضا كقاعدة إنتاج صناعي ذات قيمة مضافة مرتفعة.

وهذا تطور بالغ الأهمية، لأن الدول التي تكتفي بدور العبور يمكن تجاوزها أو منافستها، أما الدول التي تدخل في صميم الصناعة المتقدمة فتصبح أكثر رسوخا داخل المعادلات الدولية.

والأهم أن التقرير يشدد على أن هذا الصعود لم يعد يعتمد فقط على الرساميل الأجنبية، بل أيضا على كفاءات بشرية محلية قادرة على استيعاب التكنولوجيا وتوطينها.

وهذه نقطة حاسمة في أي تحول اقتصادي طويل المدى، لأن الجغرافيا وحدها لا تكفي إن لم ترافقها بنية بشرية وصناعية وتعليمية قادرة على تحويل الميزة إلى استدامة.

المغرب و”Friendshoring”.. لماذا يهم الغرب الآن؟

التحليل الإسباني لا يبالغ حين يضع المغرب ضمن أبرز المستفيدين من منطق Friendshoring فالعالم الغربي، بعد أزمات الطاقة والحروب وتعطل سلاسل الإمداد، صار أكثر حرصا على نقل أجزاء حساسة من إنتاجه وتجارته إلى دول “صديقة” أو على الأقل مستقرة ويمكن الوثوق بها.

هذه العقيدة لا تدعو إلى إنهاء العولمة، لكنها تعيد ترتيبها على أساس سياسي وأمني جديد.

في هذا السياق، يظهر المغرب كخيار مثالي تقريبا، قريب من الأسواق الأوروبية، مستقر نسبيا مقارنة بمحيطه الإقليمي، يملك واجهتين بحريتين، يراكم بنية تحتية ضخمة، ويتحرك دبلوماسيا بمرونة، لذلك لم يعد يُنظر إليه فقط كدولة جنوب متوسطية، بل كجزء من إعادة تصميم الأمن الصناعي واللوجستي الغربي.

بمعنى آخر، حين تبحث أوروبا عن تقليل هشاشتها أمام الصدمات الخارجية، وحين تبحث الشركات العالمية عن قواعد إنتاج وتموين أقل عرضة للمفاجآت، فإن المغرب يفرض نفسه تدريجيا باعتباره أحد الأسماء الأكثر جاذبية.

المغرب قوس للصمود الإستراتيجي

من أقوى ما ورد في التقرير وصف المغرب بأنه “قوس للصمود الإستراتيجي” عند ملتقى القارات، حيث لم يعد يُنظر إليه كدولة تحاول حماية نفسها فقط، بل كدولة تساهم فعليا في حماية جزء من استقرار الاقتصاد الدولي.

وهنا تكمن القفزة الكبرى. لأن الدول الصغيرة أو المتوسطة عادة ما تُعرّف من خلال ما تحتاجه من العالم، لا من خلال ما يقدمه العالم عبرها.

أما حين يبدأ خطاب إستراتيجي أوروبي في تقديم المغرب كجزء من الحل، وليس فقط كجزء من الأطراف، فذلك يعني أن الرباط نجحت فعلا في فرض موقعها داخل بنية جديدة من المصالح الدولية.

ما يقوله التقرير الإسباني بوضوح هو أن المغرب لم يصعد فقط لأنه يقع في المكان المناسب، بل لأنه عرف كيف يستثمر هذا المكان في الزمن المناسب.

لقد حوّل موانئه إلى أدوات نفوذ، واستقراره إلى قيمة اقتصادية، ودبلوماسيته إلى جسر بين مراكز قوى متنافسة، وفي عالم يعاد فيه رسم طرق التجارة والإنتاج على وقع الحروب والتوترات، يبدو أن الرباط لم تعد مجرد دولة على الهامش، بل طرفا يشارك في كتابة الخريطة الجديدة.