
لم يكن التدخل الأمريكي النادر لدعم الين الياباني مجرد مجاملة لحليف استراتيجي، ولا محاولة لوقف انهيار عملة أجنبية من باب التضامن السياسي. فالهبوط الحاد للين إلى أدنى مستوياته في نحو أربعة عقود بدأ يتحول إلى مشكلة أمريكية أيضًا، بعدما أصبح يهدد بزيادة الضغوط على سوق السندات الأمريكية، ورفع تكاليف الاقتراض، وإرباك خطط جذب مئات المليارات من الدولارات من الاستثمارات اليابانية إلى الولايات المتحدة.
ولهذا تحركت واشنطن وطوكيو بصورة مشتركة في سوق الصرف للمرة الأولى منذ جيل تقريبًا، واشترتا الين في محاولة لوقف انهياره، بعدما اقترب سعر الدولار من 164 ينًا، وهو أضعف مستوى للعملة اليابانية منذ عام 1986.
ونجح التدخل، على الأقل في مرحلته الأولى، في دفع العملة اليابانية إلى التعافي باتجاه 156 ينًا للدولار، لكن أهمية العملية تتجاوز الحركة اليومية في سوق الصرف. فهي تكشف تحولًا واضحًا في السياسة المالية لإدارة الرئيس دونالد ترامب، التي أصبحت أكثر استعدادًا لاستخدام القوة الأمريكية مباشرة لحماية عملات الدول الحليفة عندما ترى أن انهيارها قد يهدد المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة نفسها.
الين الياباني يهبط إلى مستويات تاريخية
تعرض الين خلال الأشهر الأخيرة لضغوط قوية نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها الفارق الكبير بين أسعار الفائدة في اليابان والولايات المتحدة، والمخاوف المتعلقة بالدين والسياسة المالية اليابانية، وعودة التضخم، إضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة مع الحرب ضد إيران.
وتواجه اليابان مشكلة خاصة لأنها تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد النفط والغاز، ما يعني أن ضعف عملتها يجعل فاتورة الطاقة المستوردة أكثر تكلفة، ويضيف مزيدًا من الضغوط التضخمية إلى الأسر والشركات.
كما ساهم انتقال رؤوس الأموال نحو الولايات المتحدة، بحثًا عن عوائد أعلى والاستفادة من طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، في زيادة الضغط على الين إلى جانب عملات آسيوية أخرى، مثل الوون الكوري والروبية الهندية.
وكانت اليابان قد أنفقت بالفعل نحو 70 مليار دولار من احتياطاتها الأجنبية خلال أبريل ومايو في محاولة لدعم العملة، لكن تأثير التدخلات المنفردة تلاشى سريعًا، وعاد الين إلى الهبوط.
لهذا أصبحت طوكيو بحاجة إلى ما هو أكثر من شراء العملة وحدها: كانت بحاجة إلى إشعار الأسواق بأن الولايات المتحدة تقف وراءها.
لماذا يهم انهيار الين واشنطن؟
للوهلة الأولى قد يبدو انهيار العملة اليابانية شأنًا داخليًا لا علاقة مباشرة له بالولايات المتحدة، لكن العلاقات العميقة بين النظامين الماليين تجعل هذا الفصل مستحيلًا عمليًا.
اليابان واحدة من أكبر حائزي سندات الخزانة الأمريكية في العالم، وتملك احتياطيات ضخمة من الأصول المقومة بالدولار. وإذا اضطرت طوكيو إلى بيع جزء كبير من هذه السندات من أجل الحصول على الدولارات وتمويل عمليات شراء الين، فإن المعروض من سندات الخزانة في السوق سيزداد.
ارتفاع المعروض يمكن أن يضغط على أسعار السندات ويدفع عوائدها إلى الصعود، ما يعني بدوره ارتفاع تكلفة الاقتراض في الاقتصاد الأمريكي.
ويأتي ذلك في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة أصلًا ضغوطًا مرتبطة بالعجز المالي، والديون الفيدرالية، وعدم اليقين بشأن سياسة الاحتياطي الفيدرالي.
ولذلك لم تكن واشنطن تريد أن تتحول أزمة الين إلى عامل جديد يرفع عوائد سنداتها ويجعل تمويل الحكومة والشركات والمستهلكين أكثر تكلفة.
اليابان لا تريد بيع سندات الخزانة الأمريكية
أعلنت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما أن بلادها تخطط للاعتماد على آلية اقتراض بالدولار مرتبطة بالاحتياطي الفيدرالي تعود إلى فترة جائحة كورونا، بدل اللجوء إلى تصفية جزء من حيازتها الضخمة من سندات الخزانة الأمريكية لتمويل المزيد من عمليات التدخل.
كما أبدى وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت تأييده لتوسيع هذه الآلية، في خطوة توضح أن واشنطن تريد منح اليابان السيولة اللازمة للدفاع عن عملتها من دون دفعها إلى بيع الأصول الأمريكية.
دعم العملة اليابانية أرخص بالنسبة إلى واشنطن من السماح لطوكيو بالتحول إلى بائع ضخم لسندات الخزانة في مرحلة حساسة أصلًا لسوق الدين الأمريكي.
الخوف الأكبر من انفجار صفقات تجارة الفائدة
لسنوات طويلة، كانت أسعار الفائدة اليابانية شديدة الانخفاض، ما جعل الين من أشهر العملات المستخدمة في تمويل الاستثمارات العالمية. يقترض المستثمرون بالين بتكلفة منخفضة، ثم يحولون الأموال إلى الدولار أو عملات أخرى ويشترون أصولًا تقدم عائدًا أعلى.
تصبح هذه الاستراتيجية مربحة طالما ظل الين ضعيفًا والفارق في أسعار الفائدة كبيرًا. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحرك العملة بصورة عنيفة.
إذا بدأ الين بالصعود بسرعة، قد يضطر المستثمرون الذين اقترضوا به إلى تصفية استثماراتهم في الأسهم والسندات والعملات الأخرى وإعادة شراء الين لتغطية مراكزهم.
ومع وجود تريليونات الدولارات من الصفقات المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بهذه الاستراتيجية، يمكن أن تتحول حركة حادة في الين إلى موجة بيع تمتد إلى الأسواق العالمية.
ولهذا تخشى واشنطن ليس فقط ضعف العملة اليابانية، بل أيضًا أن يؤدي انهيارها ثم انعكاسها بصورة فوضوية إلى اضطراب واسع في الأسواق المالية.
وقال اقتصاديون إن أي موجة بيع سريعة وغير منظمة للين يمكن أن تنتقل إلى فئات أصول أخرى وتزعزع الاستقرار المالي العالمي.
550 مليار دولار من الاستثمارات اليابانية مهددة
هناك سبب ثالث يرتبط مباشرة بأحد المشاريع الاقتصادية التي يريد ترامب تقديمها باعتبارها إنجازًا لسياساته التجارية.
فقد التزمت اليابان ضمن اتفاق تجاري أبرم عام 2025 بتنفيذ استثمارات تصل قيمتها إلى نحو 550 مليار دولار داخل الولايات المتحدة.
وهذه الاستثمارات مهمة لإدارة ترامب لأنها تتوافق مع سياستها القائمة على إعادة التصنيع إلى الأراضي الأمريكية وجذب رؤوس الأموال الأجنبية لإنشاء المصانع والبنية التحتية والمشروعات الجديدة. لكن انهيار الين يجعل تنفيذ هذه الاستثمارات أكثر تكلفة بالنسبة إلى الشركات اليابانية.
عندما تضعف العملة اليابانية مقابل الدولار، تحتاج الشركة في طوكيو إلى إنفاق كمية أكبر من الين للحصول على المبلغ نفسه بالدولار من أجل بناء مصنع أو شراء شركة أو الاستثمار في مشروع أمريكي.
وبالتالي فإن استمرار انهيار الين يمكن أن يبطئ تدفق الاستثمارات اليابانية التي تراهن عليها إدارة ترامب. ومن هنا يصبح دعم الين أيضًا أداة لحماية أجندة الاستثمار الأمريكية.
أمريكا تتدخل في سوق العملات لأول مرة منذ سنوات
آخر مرة ساعدت فيها واشنطن اليابان على تقوية الين كانت عام 1998، عندما كان الاقتصاد العالمي يواجه آثار الأزمة المالية الآسيوية.
أما في عام 2011، فقد تدخلت الولايات المتحدة إلى جانب اليابان في الاتجاه المعاكس، لمساعدة طوكيو على إضعاف الين بعد أن ارتفعت قيمته بشدة في أعقاب الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد.
وزير الخزانة سكوت بيسنت قال إن إدارة ترامب «تفي بالتزاماتها تجاه شركاء أمريكا الموثوقين»، وأكد أن واشنطن لن تتردد في التدخل مرة أخرى إذا كان ذلك ضروريًا لمعالجة ما وصفه بالتقييم المنخفض بصورة كبيرة للعملة اليابانية.
الرسالة إلى الأسواق كانت واضحة: من يراهن على استمرار انهيار الين لم يعد يواجه البنك المركزي الياباني وحده، بل وزارة الخزانة الأمريكية أيضًا.
ترامب يكسر تقليد «دع الأسواق تعمل»
لعقود، مالت الحكومات الأمريكية إلى ترك أسعار الصرف تحددها الأسواق، ولم تكن تتدخل إلا في حالات استثنائية تهدد الاستقرار المالي العالمي.
لكن ترامب يبدو أكثر استعدادًا للتدخل عندما يرى أن المصلحة الأمريكية تتطلب ذلك. وقد سبق لواشنطن أن تحركت لمساعدة الأرجنتين في عهد الرئيس خافيير ميلي، عبر إنشاء خط لمبادلة العملات وتوفير الدولار، كما اشترت الخزانة الأمريكية البيزو الأرجنتيني للمساعدة على دعمه.
الأرجنتين كانت تواجه أزمة مالية أكثر عمقًا، بينما اليابان ما تزال تملك احتياطيات أجنبية ضخمة واقتصادًا متقدمًا عاد إلى النمو بعد عقود من الركود والانكماش.
لكن المبدأ السياسي واحد: إدارة ترامب مستعدة لمساندة الحلفاء عندما تعتقد أن استقرارهم المالي يخدم المصالح الأمريكية.
اقرأ أيضا: لماذا يساوي الدولار 23 جنيهًا مصريًا حسب مؤشر بيج ماك؟
