تطبيق Bitchat حجب الإنترنت

مع بداية عام 2026، وجدت الأنظمة الاستبدادية حول العالم طرقًا أكثر فعالية للسيطرة على تدفق المعلومات، فقد تجاوز النظام في طهران، الذي يواجه احتجاجات عارمة في جميع أنحاء البلاد، مجرد قطع الألياف الضوئية وشبكات الهاتف المحمول، ولجأ أيضًا إلى استخدام التشويش الإلكتروني عالي الطاقة لتحييد الوصول إلى الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، الذي كان يُعتبر حتى الآن بمنأى عن الحجب.

لم يعد الحجب مجرد تصفية للمحتوى، بل أصبح ببساطة تعتيمًا كاملًا للفضاء الكهرومغناطيسي.

وخلال انتفاضات هذا الشهر، تُنفذ الحكومة الإيرانية أوسع عملية تعتيم للإنترنت حتى الآن، حيث تفصل فعليًا جميع السكان عن الإنترنت وعن شبكتها الرقمية الداخلية وحتى وقت قريب، كانت خدمات مثل ستارلينك بمثابة شريان حياة للناشطين والصحفيين وكل من يسعى لتجاوز الرقابة: محطات فضائية مُهرّبة يمكن استخدامها لبث مقاطع فيديو إلى الخارج، كاشفةً القمع الذي يحاول النظام إخفاءه.

رداً على ذلك، استخدمت أجهزة الاستخبارات والدفاع الإيرانية أنظمة تشويش عسكرية متطورة تستهدف الشبكات الأرضية والإشارات التي تُمكّن محطات الأقمار الصناعية من تحديد مواقعها والاتصال بالأقمار الصناعية عبر نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) ووصلات النطاق العريض.

وقد رصد الباحثون فقداناً في بيانات الحزم يتراوح بين 30% وأكثر من 80% في بعض المناطق، وهو تدهور مُتعمّد يحوّل الإنترنت عبر الأقمار الصناعية إلى مجرد صدى مُجزّأ للعالم الخارجي.

دفع هذا الوضع الناس في إيران ودول أخرى إلى الاقتداء بالمتظاهرين في أوغندا واستخدام تطبيق Bitchat الذي ابتكره جاك دورسي.

يعمل التطبيق دون الحاجة إلى اتصال بالإنترنت عبر شبكات لاسلكية تعتمد على تقنية البلوتوث والتشفير التام بين الأطراف.

يتشارك النشطاء والمستخدمون التطبيق من خلال عمليات نقل مباشرة عبر البلوتوث وملفات APK، مما يُنشئ “مراكز مشاركة” صغيرة تُسهم في توسيع نطاق الأجهزة المتصلة وتتيح تواصلاً محدوداً، ولكنه بالغ الأهمية، بين الأشخاص المتواجدين في مكان واحد.

هذه الظاهرة كاشفة، فبينما تستثمر بعض الحكومات في تقنيات متطورة باستمرار للتحكم في الوصول العالمي إلى المعلومات، يلجأ النشطاء إلى حلول بدائية تقنياً تعتمد على التقارب المكاني والتعاون المباشر، مما يعكس قدرة هائلة على التكيف، فعندما يختفي الإنترنت العالمي، يظهر إنترنت محلي، مجزأ، مرن، ويصعب القضاء عليه دون اللجوء إلى إجراءات قمعية أشد.

يمكن حجب تطبيق Bitchat أو التشويش عليه، ولكن ليس بنفس طريقة أو فعالية الشبكات التقليدية، فهو يعتمد على شبكات لاسلكية عبر البلوتوث تتجاوز البنى التحتية المركزية، ولا يمكن للسلطات “إيقافه”.

لا يتصل تطبيق Bitchat بالعالم الخارجي، ولكنه يتيح للناشطين التنسيق على أرض الواقع، نظريًا، يُمكن تعطيل عمله عن طريق التشويش على نطاق تردد 2.4 جيجاهرتز، إلا أن القيام بذلك على نطاق واسع مكلف، وواضح للعيان، ويُسبب أضرارًا جانبية جسيمة، إذ يؤثر أيضًا على شبكات الواي فاي والعديد من الأجهزة المدنية.

عمليًا، لا تكمن أنجع الطرق لمواجهة هذا النوع من التطبيقات في الجوانب التقنية، بل في الجوانب المادية والاجتماعية بما فيها مصادرة الأجهزة، والرقابة الشرطية، وقمع الاجتماعات، وكسر الروابط البشرية التي تُحافظ على استمرارية الشبكة.

صحيح أن Bitchat ليس منيعًا أو فعالًا على نطاق واسع، ولكن نظرًا لكونه محليًا، ومجزأً، وقائمًا على التعاون المباشر، فإنه يصعب فرض الرقابة عليه.

بالنسبة للمدافعين عن الحقوق الرقمية، يُعدّ هذا بمثابة جرس إنذار، فكرة أن التقنيات اللامركزية أو القائمة على الأقمار الصناعية هي الحل الأمثل للرقابة الحكومية تُواجَه بتحدٍّ كبير عندما تمتلك حكومة ما القدرة والإرادة السياسية لتحويل أراضيها إلى منطقة معزولة كهرومغناطيسيًا.

سبق أن لجأت البرازيل وتركيا إلى الحجب الموجه، لكن إيران اختصرت الطريق بمحاولة السيطرة على الموجات الهوائية.

لا يقتصر تأثير تحييد ستارلينك على حرية التعبير داخل إيران فحسب، بل يثير أيضًا تساؤلات عميقة حول مستقبل الاتصال العالمي.

إذا كان بإمكان دولة ما حجب إشارات الأقمار الصناعية في مجالها الجوي، فما الضمانة لعدم قيامها بذلك في أماكن أخرى حيث يمكن للتكنولوجيا تمكين المواطنين في مواجهة الحكومات القمعية؟ والأهم من ذلك عندما يصبح الاتصال رصيدًا جيوسياسيًا، هل ستُعتبر شركات التكنولوجيا الخاصة مثل سبيس إكس جهات فاعلة سياسية لها الحق في التدخل، أم مجرد أدوات للتدخل الأجنبي؟

قد تنظر جهات خارجية، بما في ذلك الدول الديمقراطية، إلى توسيع محطات الأقمار الصناعية كأداة لدعم المجتمع المدني، على سبيل المثال، تدرس فرنسا إمكانية تزويد إيران بمحطات يوتلسات.

لكن هذه الإجراءات تتشابك حتماً مع نزاعات السيادة والجيوسياسية والأمن القومي، فالتكنولوجيا التي تعد بتيسير الوصول إلى المعلومات للجميع، تتحول أيضاً إلى أداة للصراع العالمي.

إن درس هذه الحادثة مُقلق ولكنه ضروري، فالنضال من أجل إنترنت حر لا يقتصر على الخوادم وجدران الحماية، بل يمتد ليشمل شبحًا خفيًا يجوب سمائنا.

فالرقابة تتطور بوتيرة أسرع من القوانين، إذ تستخدم أساليب عسكرية متطورة وتعيد تعريف حدود السيادة الرقمية، وفي مواجهة هذا الواقع، لا بد أن يتطور الرد التكنولوجي والسياسي بنفس السرعة والطموح.

فإذا كان مستقبل الحرية يعتمد على موجات راديو قابلة للحجب، فإن معركة الاتصال هي في جوهرها معركة من أجل مفهوم الحرية نفسه.

المفارقة واضحة: فكل طبقة تكنولوجية جديدة مصممة للتحايل على الرقابة تولد بدورها حوافز لتطوير آليات تحكم أكثر صرامة، والنتيجة هي سباق تسلح صامت تُحاصر فيه الحقوق الرقمية بين التشويش وانقطاع الخدمة والحلول الارتجالية.

لم يعد النضال من أجل إنترنت حر يُخاض على الخوادم أو في المحاكم فحسب، بل في الهواء المحيط بنا وعلى الأجهزة التي نحملها في جيوبنا، وهذا ما يجب أن يُقلقنا أكثر مما يبدو.