هناك عائلات في كل دول العالم، أفرادها متضامنون ويعملون في نفس المجال، ولدى كل واحد منهم شركات أو أعمال مملوكة في النهاية لعائلاتهم.
عائلة روتشيلد ليست الوحيدة، لكن العائلة التي يقال أنها غنية جدا وثروتها 500 تريليون دولار، هي ليست كذلك، بل في الواقع من العائلات التي تراجعت بصورة كبيرة.
إذا قمت بالبحث عن أغنى العائلات في العالم لسنة 2020، ستجد البيانات التي نشرتها بلومبرج وعدد من المؤسسات الإعلامية المتخصصة في تتبع ثروات الأفراد والعائلات على حد سواء.
والمفاجأة بالنسبة لك، أن عائلة روتشيلد غير موجودة في أغنى 10 عائلات في العالم، والصدمة أنها غير مذكورة أيضا في أغنى 25 عائلة بالعالم.
أسطورة عائلة روتشيلد اليهودية:
معلوم أنها عائلة يهودية، هم لا يخفون ذلك، ومثل بقية العائلات التقليدية في العالم، فقد وضعوا قوانين ودستور داخلي لهم لمنع النزاعات والخلافات، وأيضا كي تستمر الثروة بداخل العائلة ولا يسيطر عليها أحد.
يمكن القول إن عائلة روتشيلد هي أشهر سلالة مصرفية أوروبية في التاريخ الحديث، في أواخر القرن الثامن عشر، أسس ماير أمشيل روتشيلد، رب الأسرة، أول بيت مصرفي له في مدينة فرانكفورت الألمانية.
قام أبناؤه بتوسيع البنك إلى مؤسسة متعددة الجنسيات، وبفضل ثروتهم المكتشفة حديثًا، تمكنت عائلة روتشيلد من التأثير على اقتصاداتهم المحلية.
سدد أحد قروض روتشيلد تعويضات الحرب الفرنسية في سبعينيات القرن التاسع عشر، بينما سمح قرض آخر للحكومة البريطانية بأن تصبح المساهم الأساسي في شركة قناة السويس القوية.
ومع ذلك، قوبل التراكم السريع للثروة والسلطة لعائلة روتشيلد برد فعل بغيض: تفشي معاداة السامية.
كعائلة يهودية، تم استهداف عائلة روتشيلد من قبل منظري المؤامرة كمثال رئيسي على استخدام اليهود لأموالهم للسيطرة على المؤسسات المالية العالمية.
ولا شك أن اليهود مهووسين على مر التاريخ بجمع الثروة، وأسهل طريقة بالنسبة لهم هي تقديم القروض الربوية للتجار والأفراد، لكن ذلك عرضهم لمخاطر الإفلاس وتراجع ثرواتهم بسبب الأزمات المالية المتعاقبة.
كان لدى رب الأسرة حلما بأن يكون للعائلة اسما جيدا ومؤسسات مالية وبنكية كثيرة، خصوصا وأن في ذلك العصر بدأت البنوك تظهر وتجارة تقديم القروض والربح من خلال سعر الفائدة أمر مربح جدا لأن الفائدة مرتفعة حينها.
مثل كل عائلة هناك لحظات قوة ولحظات ضعف:
عند تأسيس عائلة يشترك كل أفرادها في نفس التجارة ويحرصون على جمع ثروة كبيرة، ويكون لهم شأن مهم، يكون التحدي الأبرز هو هل ستستمر العائلة؟ أقصد هل سيستمر الإنجاب وهل سيستمر الأحفاد في الحفاظ على التقاليد العائلية؟ أيضا هل سيستمر ذلك القطاع في النمو والسيطرة؟
فقط مؤخرا توفي بنيامين دي روتشيلد، وهو مصرفي يهودي فرنسي تبرع بسخاء لإسرائيل، بما في ذلك 22 مليون دولار لجهود الدولة للتغلب على COVID-19 وقد رحل وعمره 57 عاما، وهي ضربة لعائلة تعاني من تراجع انجاب الذكور وكثرة البنات.
توفي دي روتشيلد، الذي تولى في عام 1997 مجموعة إدموند دي روتشيلد، وهي مؤسسة مالية مقرها سويسرا تم تسميتها باسم والده ويعمل بها أكثر من 2500 موظف في جميع أنحاء العالم.
حسب صحيفة تايمز أوف إسرائيل تقدر ثروته بـ 180 مليون دولار، وقد أنجب قبل أربع بنات – أليس، إيف، أوليفيا، نعومي – وزوجته أريان التي أدارت معه مجموعة روتشيلد لسنوات عديدة، لكن حسب فوربس تصل ثروته إلى 1.5 مليار دولار أمريكي، وهو يحتل المرتبة 1851 ضمن أثرياء العالم.
وللعلم فإن زوجته أريان ليست يهودية، وقد دعمت برامج لدعم النساء في العلوم في إسرائيل ولبناء روابط بين رواد الأعمال المسلمين واليهود.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الفرد الوحيد من عائلة روتشيلد مدرج في قائمة فوربس، وفي حين أن عائلة روتشيلد كانت بالتأكيد واحدة من أهم القوى المالية في العالم في القرون الماضية، إلا أنها لم تعد تمارس نفس النوع من التأثير على الشؤون العالمية.
تراجع عائلة روتشيلد اليهودية:
في عام 2006 كانت البنوك والمؤسسات المالية ضمن أكبر 10 شركات في العالم لكن حاليا تراجعت هذه المؤسسات كثيرا أمام شركات التكنولوجيا وتجارة التجزئة والصناعات الغذائية.
ولأن معظم استثماراتهم موجودة في هذا القطاع فإن عائلة روتشيلد قد تراجع تأثيرها وثروتها وقوتها، وأصبحت هناك الكثير من العائلات المتفوقة عليهم.
ضمن أكبر 10 عائلات في العالم هناك عائلة واحدة في مجال الإستثمارات وهي عائلة جونسون الأمريكية التي تملك مؤسسة Fidelity Investments ولديها استثمارات حتى في العملات الرقمية.
كجزء من إرادة ماير أمشيل روتشيلد أملى أن الأولوية الأولى لنسله هي الاحتفاظ بالمال في العائلة.
ولهذه الغاية، رتب العديد من الزيجات بين أبناء العمومة الأول والثاني، وغالبًا ما كان له فروع مرتبطة ببعضها البعض على جانبي أسرتهم.
على الرغم من أنها تبدو غريبة اليوم، إلا أنها كانت ممارسة شائعة في ذلك الوقت، ليس فقط بين المصرفيين الأثرياء، ولكن أيضًا بين النبلاء الأوروبيين، ومع ذلك فإن قرونًا من زواج الأقارب فعلت أكثر من مجرد الاحتفاظ بالمال في الأسرة.
في الواقع، أحد الآثار الجانبية هو العقم والعيوب الوراثية الأخرى، سيصيب الأول من هؤلاء فرعي العائلة في نابولي وفرانكفورت حيث يعاني كل منهما من انجاب الفتيات فقط بدلاً من الأولاد الذين يمكنهم الاستمرار في العمل.
بينما تدخل الأبناء الثالث والرابع من الفروع الأخرى للعائلة لتولي العمل، ظهرت الخلافات بين الأبناء، حتى أن فرع فرانكفورت اضطر إلى الإغلاق بسبب عدم وجود أحد يتكلف به.
في عام 1981، انتخب مرشح الحزب الاشتراكي الفرنسي فرانسوا ميتران رئيسًا لفرنسا، عند توليه الرئاسة قام ميتران بتأميم بنك روتشيلد الفرنسي، ومنعهم من الحصول على ترخيص مصرفي جديد.
في عام 1986، أدى الصراع السياسي داخل الحزب الاشتراكي إلى ضعف قوتهم، وبهذا تمكنت عائلة روتشيلد الفرنسية أخيرًا من التقدم بنجاح للحصول على ترخيص مصرفي آخر، حتى لو لم يتمكنوا من استعادة مصرفهم.
في عام 2003، تقاعد السير إيفلين دي روتشيلد من منصبه كرئيس لشركة NM Rothschild & Sons، وانتخب ديفيد رينيه دي روتشيلد ليكون خليفته، وتم دمج الفرعين البريطاني والفرنسي في واحد.
نهاية مجد عائلة روتشيلد:
واجهت العائلة اليهودية بيئة متغيرة بسرعة في العقود الأخيرة، ومع تراجع القطاع المصرفي أمام قطاعات التكنولوجيا، فقدت العائلة الكثير من قوتها وحضورها أيضا.
لقد تغير العالم كثيرا مقارنة بما كان عليه في أوج هذه العائلة بالقرن 19 وبداية القرن العشرين، ولم تعد العائلات المصرفية ذات تأثير كبير على الحكومات، التي تملك بنوكا مركزية تطبع النقود وفق سياسات حديثة وبدون غطاء الذهب.
كما أن تراجع أوروبا مقارنة بكل من الولايات المتحدة والصين واليابان وصعود قوى أخرى، أثر سلبا على هذه العائلة التي كانت عظيمة في عصر احتلال قوى أوروبا لكافة دول العالم.
في منتصف القرن التاسع عشر، بدأ أغنى أعضاء كل فرع في بناء قصور كبيرة للتباهي بثروتهم الهائلة، بصفتهم بعضًا من أغنى الناس في العالم في ذلك الوقت، كان بإمكان عائلة روتشيلد تحمل تكاليف الصيانة الضخمة للممتلكات.
اليوم ومع ذلك لم تعد الأسرة بحاجة إلى العديد من العقارات المترامية الأطراف كما أن تكاليف الصيانة كبيرة ولا يمكنها الاستمرار في صيانة قصور وبيوت لا يعيش بها أحدا، وباعتبارها من أكبر المنازل في العالم لا يوجد الكثير من الناس الذين لديهم المال لشراء تلك القصور، والحل الذي لجأت إليه الأسرة هو التبرع بها وتحويلها لمتاحف مهمة في أوروبا.
تم التبرع بالعديد من هذه القصور للجمعيات الخيرية، وتحويلها إلى متاحف عامة، أو تحويلها إلى حدائق وطنية (كما هو الحال مع Waddesdon Manor في مقاطعة باكينغهامشير الإنجليزية، المملوك من قبل National Trust!).
تقدر اليوم ثروة عائلة روتشيلد بحوالي 400 مليار دولار حسب بعض المواقع الإلكترونية الأجنبية، غير أن فوربس ومنصات قياس الثروة لا تعترف بهذا الرقم بل إن الشخص الوحيد من هذه العائلة الموجود في قائمة فوربس لا تتعدى ثروته 1.5 مليار دولار.
وعلى ما يبدو فإن أغلب ثرواتهم عبارة عن أموال خاصة والممتلكات المتبقية لهم وهم يفضلون السرية على أن تتضح ثروتهم الهزيلة أمام عائلات كبرى.

