قطر الخليج

لم تأتِ الحرب الإيرانية على دول الخليج في توقيت عادي، بل ضربت المنطقة في قلب موسم رمضان؛ وهو أحد أكثر الفترات حساسية للإستهلاك والسفر والحجوزات الفندقية والتنقلات الجوية.

هذه المرة لم تكن الضربة محصورة في دولة أو مجال جوي واحد، بل أصابت الخليج كله تقريبًا بإغلاقات وتعطيلات متزامنة، لتتحول الوجهات التي بنت صورتها على الأمان والرفاهية والانسيابية إلى ساحة قلق وإلغاء وتأجيل جماعي للرحلات.

ومع اتساع نطاق الاضطراب، بدأت التقديرات تتحدث عن خسائر مالية مكلفة جدا سيستغرق التعافي منها أشهرا طويلة.

إيران تضرب السياحة الخليجية

المشكلة هنا ليست مجرد طائرات أُلغيت أو مسافرين تقطعت بهم السبل، ما حدث أصاب مباشرة أحد أهم أعمدة التحول الاقتصادي الخليجي: السياحة والطيران والخدمات العابرة للحدود.

لقد أغلقت أو قُيّدت مجالات جوية ومطارات في قطر والإمارات والبحرين والكويت وسلطنة عُمان، فيما بدت السماء فوق أجزاء واسعة من المنطقة شبه فارغة.

وكالة أسوشيتد برس تحدثت عن إغلاقات في مطارات أو أجواء تشمل قطر والكويت والبحرين وعُمان والإمارات، بينما وصفت رويترز ما جرى بأنه أكبر اضطراب لحركة الطيران العالمية منذ جائحة كورونا.

وهذا ليس تفصيلًا ثانويًا، لأن الخليج لم يعد يعتمد فقط على النفط، بل بنى خلال العقدين الماضيين نموذجًا اقتصاديًا يقوم على كونه منصة عبور عالمية ومركزًا للسياحة الفاخرة والمؤتمرات والتسوق والترانزيت.

وبينما تتعطل السماء فوق دبي وأبوظبي والدوحة والمنامة، فإن الضربة لا تقع على شركات السفر وحدها، بل تمتد إلى الفنادق والمطاعم ومراكز التسوق والفعاليات والاقتصاد الخدمي بأكمله.

أشارت رويترز إلى أن النزاع يهدد قطاعًا سياحيًا إقليميًا تُقدّر قيمته بنحو 367 مليار دولار سنويًا، مع تضاعف الإلغاءات في الإيجارات السياحية داخل الإمارات وتراجع ثقة الزوار بشكل حاد.

خسائر دول الخليج من تدهور سياحة رمضان

خطورة توقيت العدوان الإيراني على الخليج يكمن في أن رمضان في الخليج ليس شهرًا ساكنًا اقتصاديًا كما يظن البعض، بل هو موسم قوي للسفر العائلي، والسياحة الدينية، والإنفاق الاستهلاكي، والفعاليات الليلية، والحجوزات الفندقية، وحركة الزوار من داخل المنطقة وخارجها.

لذلك فإن توقف الحركة الجوية خلال هذه الفترة لا يعني فقدان أيام عادية من السنة، بل خسارة نافذة موسمية عالية القيمة.

صحيفة The National الإماراتية نقلت عن محلل في XS.com أن الإغلاقات الجوية الإقليمية أوقفت سياحة رمضان وتسببت في خسائر متوقعة بنحو 40 مليار دولار عبر دول الخليج، إذا استمرت التداعيات في هذا التوقيت شديد الحساسية اقتصاديًا.

كما أن تقديرات Oxford Economics تشير إلى أن أعداد الزوار الوافدين إلى الشرق الأوسط قد تنخفض بين 11% و27% خلال 2026 بسبب الحرب، أي خسارة تتراوح بين 23 و38 مليون زائر دولي مقارنة بالتوقعات السابقة، مع أثر مالي يُقدّر بين 34 و56 مليار دولار من إنفاق الزوار المفقود.

وبما أن دول الخليج هي أكبر وجهات المنطقة وأكثرها اعتمادًا على سمعة الإستقرار، فمن الطبيعي أن تكون هي صاحبة النصيب الأكبر من هذا النزيف.

الإمارات وقطر في عين العاصفة

إذا كانت دول الخليج كلها تضررت، فإن الإمارات وقطر ظهرتا في مقدمة المتأثرين، لأن اقتصادهما السياحي أكثر تشابكًا مع حركة العالم، فمطارات دبي وأبوظبي والدوحة ليست مجرد مطارات محلية، بل عقد عبور دولية تقوم عليها شبكات طيران وسياحة وتجارة عابرة للقارات.

أشارت تقديرات أمختلفة إلى أن مراكز الطيران الإقليمية في أبوظبي ودبي والدوحة والبحرين كانت تمرر عادة نحو 526 ألف مسافر يوميًا قبل أن تهبط الأرقام بقوة مع الإغلاقات.

وفي حالة دبي تحديدًا، أظهرت بيانات رويترز أن مطار دبي الدولي وحده مثّل أكثر من 3 آلاف رحلة ملغاة من أصل أكثر من 6 آلاف رحلة ألغيت في سبع دول شرق أوسطية أغلقت أجواءها منذ بداية الضربات في 28 فبراير.

وقد تحدثت تقارير أيضًا عن عالقين وصعوبات في المغادرة والتحول إلى مسارات بديلة أكثر كلفة وتعقيدًا، وهو ما يضيف طبقة جديدة من الخسائر غير المباشرة على الاقتصاد والسياحة معًا.

خسائر خليجية مرشحة للإرتفاع

قد يبدو الحديث عن عشرات المليارات ضخمًا، لكنه يصبح منطقيًا إذا نُظر إليه في سياقه الكامل.

نحن لا نتحدث عن تراجع إشغال فندقي فقط، بل عن اقتصاد سياحي وطيراني وتجاري مترابط في كامل الخليج، يتعرض في وقت واحد لإغلاقات جوية، وإلغاءات جماعية، وتحذيرات سفر، وتحول في الطلب العالمي، وارتفاع في كلفة المخاطر.

وإذا كانت تقديرات مؤسسات متخصصة تتحدث عن 34 إلى 56 مليار دولار خسائر محتملة في إنفاق الزوار في الشرق الأوسط هذا العام، فيما تتحدث تقديرات أخرى عن 600 مليون دولار يوميًا خسائر في إنفاق الزوار، فإن الحديث عن نزيف خليجي بعشرات المليارات لم يعد تهويلًا صحفيًا، بل سيناريو اقتصاديًا واقعيًا إذا استمر النزاع أو طال أثره النفسي والتجاري.