أداة لينكدإن النرجسية

إذا كنت تتابع لينكدإن باستمرار، فمن المرجح أنك صادفت ذلك النوع من المنشورات التي تبدو عميقة وفلسفية للوهلة الأولى، لكنها عند التدقيق لا تقول شيئًا واضحًا. عبارات عن «القيادة»، و«صناعة الأثر»، و«بناء العلاقات»، و«النجاح الحقيقي»، مصاغة بلغة مبهرة لكن معناها ضبابي.

الآن، تشير دراسة جديدة إلى أن هذا النوع من المحتوى قد لا يكون مجرد أسلوب مزعج في الكتابة، بل قد يرتبط بسمات نرجسية لدى بعض المستخدمين، خصوصًا عندما يكون الهدف من نشره هو الظهور بمظهر الشخص الذكي والعميق أكثر من تقديم فكرة حقيقية.

وأجرى باحثون من جامعة ألاباما تجربتين شارك فيهما أكثر من 650 شخصًا، ووجدوا أن الأفراد الذين سجلوا مستويات أعلى من النرجسية كانوا أكثر ميلًا إلى اعتبار العبارات الفارغة ذات الصياغة «العميقة» ذات معنى، كما كانوا أكثر استعدادًا لتأييدها إذا ساعدتهم على الظهور بصورة أكثر ذكاءً ورقيًا.

والآن هناك أداة قد تساعدك على اكتشاف النرجسي في لينكدإن وفضح النرجسيين الذين يحظون عادة بشعبية كبيرة على المنصة.

ليسوا مخدوعين بالعبارات.. بل يستخدمونها لصناعة الصورة

قال الباحث الرئيسي في الدراسة وليام هارت إن النتائج تشير إلى أن تبني العبارات التي تبدو عميقة لكنها فارغة من المعنى لا يمثل دائمًا ضعفًا في الحكم أو التفكير.

وأوضح أن الأمر قد يكون في بعض الحالات «محاولة تكتيكية للظهور بمظهر ذكي»، مضيفًا أن الأشخاص النرجسيين يبدو أنهم يهتمون أكثر بأن يبدوا متطورين فكريًا، حتى لو لم يكن الكلام نفسه يحمل معنى حقيقيًا.

وهذه النقطة هي الأكثر إثارة في الدراسة، لأن الباحثين لم يجدوا أن أصحاب السمات النرجسية أكثر سذاجة أو أقل قدرة على التفكير، بل وجدوا أنهم أكثر ميلًا إلى تبني هذا النوع من الخطاب عندما يخدم صورتهم الاجتماعية.

التجربة الأولى: كيف تبدو مثقفًا حتى لو لم تقل شيئًا؟

شارك في الدراسة 661 طالبًا جامعيًا موزعين على تجربتين. وفي التجربة الأولى، طلب الباحثون من المشاركين أن يقدموا أنفسهم إما باعتبارهم مفكرين «متطورين» أو «غير متطورين»، ثم عرضوا عليهم مجموعة من العبارات التي صيغت بطريقة تشبه المنشورات المنتشرة على لينكدإن.

المفارقة أن بعض هذه العبارات لم يكن لها معنى حقيقي أصلًا، لكنها صيغت باستخدام كلمات رنانة وتركيبات توحي بالحكمة والعمق.

وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين طُلب منهم الظهور بمظهر المثقفين كانوا أكثر ميلًا إلى تقييم هذه العبارات باعتبارها عميقة، كما أظهروا استعدادًا أكبر للادعاء بأنهم يعرفون حقائق مختلقة لا وجود لها أصلًا.

بعبارة أخرى، مجرد الرغبة في الظهور بمظهر أكثر ذكاءً كانت كافية لجعل البعض يتبنى كلامًا فارغًا طالما بدا مثيرًا للإعجاب.

التجربة الثانية: النرجسية تزيد الإعجاب بالكلام الفارغ

في التجربة الثانية، أكمل المشاركون استبيانات لقياس مستويات النرجسية لديهم، ثم طُلب منهم تقييم العبارات نفسها.

وجاءت النتيجة متسقة مع التجربة الأولى: كلما ارتفعت سمات النرجسية لدى المشارك، زادت احتمالية تقييمه للعبارات الغامضة والفارغة باعتبارها عميقة أو ذات معنى.

والأهم أن الباحثين لم يجدوا علاقة بين هذا السلوك والقدرة الفكرية الفعلية للمشارك. وهذا يعني أن الشخص النرجسي لا يصدق الكلام الفارغ بالضرورة لأنه لا يستطيع تمييزه، بل لأنه قد يكون مستعدًا لاستخدامه إذا كان يساعده في بناء صورة ذهنية عن نفسه أمام الآخرين.

كيف يبدو ذلك على لينكدإن؟

بحسب الباحثين، يمكن ملاحظة هذا النمط في بعض السلوكيات المتكررة على لينكدإن، خصوصًا لدى المستخدمين الذين يحرصون باستمرار على بناء صورة عن أنفسهم باعتبارهم أكثر حكمة أو خبرة أو نجاحًا من الآخرين.

وقد يظهر ذلك في منشورات غامضة ذات نبرة كونية أو فلسفية، من دون مضمون واضح، أو في مشاركة عبارات تبدو عميقة لكنها تظل فارغة عند محاولة تفسيرها.

كما قد يظهر في ادعاء معرفة معلومات غير صحيحة أو غير موجودة أصلًا، إذا كان الاعتراف بعدم المعرفة سيضر بالصورة التي يحاول الشخص تقديمها.

ويميل هذا النوع من المستخدمين أيضًا إلى إعادة نشر محتوى مشابه يكتبه آخرون، ما دام يتوافق مع الهوية التي يريدون إظهارها داخل الشبكة المهنية.

المشكلة ليست في استخدام العبارات التحفيزية نفسها

لا تعني الدراسة أن كل من ينشر اقتباسًا تحفيزيًا أو يتحدث عن القيادة والنجاح على لينكدإن شخص نرجسي. فالمنصة نفسها مبنية حول عرض الإنجازات والخبرات وبناء السمعة المهنية، ومن الطبيعي أن يحاول المستخدمون تقديم أنفسهم بصورة إيجابية.

لكن الفارق يظهر عندما يصبح الهدف الأساسي من المنشور هو خلق الانطباع بدل تقديم المعلومة. فالعبارة قد تبدو ذكية جدًا، لكنها إذا لم تستطع شرح معناها بلغة بسيطة، فقد تكون مجرد «تغليف فكري» لفكرة غير موجودة أصلًا.

وهنا تحديدًا يصبح البحث مهمًا، لأنه يربط بين الحاجة إلى صناعة صورة اجتماعية متفوقة وبين الميل إلى تبني الكلام الذي يبدو عميقًا أكثر مما هو عميق فعلًا.

لينكدإن طور لغته الخاصة

تأتي الدراسة في وقت أصبح فيه لينكدإن معروفًا بأسلوب لغوي خاص يصعب أحيانًا العثور عليه خارج المنصة فالمستخدمون يتحدثون عن «صناعة الأثر» و«رحلة النمو» و«القيادة الأصيلة» و«الاستثمار في العلاقات»، إلى جانب منشورات تبدأ بقصة شخصية وتنتهي بدرس مهني مبالغ في عموميته.

وقال فلاديمير بريلوفاك، مؤسس ورئيس شركة Kagi، إن لينكدإن طور بالفعل ما يشبه «لهجته الخاصة»، بما في ذلك القواعد والتعبيرات والإيقاع العاطفي الذي قد يبدو غريبًا على شخص لم يستخدم المنصة منذ 15 عامًا.

وأضاف أن التباهي المتواضع، وتسلسل الرموز التعبيرية، والخواتيم التحفيزية أصبحت جزءًا من اللغة المعتادة على المنصة.

أداة ذكاء اصطناعي لترجمة «هراء الشركات»

وصل الأمر إلى درجة أن فريق شركة Kagi طور أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لترجمة ما يمكن وصفه بـ«الهراء المؤسسي» إلى لغة مباشرة.

عندما يقول شخص مثلًا إنه «ممتن لأنه محاط بالبناة لا المتفرجين»، يمكن للأداة أن تعيد صياغة العبارة بطريقة ساخرة أقرب إلى: أنا أحاول أن أبدو مهمًا لأنني أحيط نفسي بأشخاص يفعلون أشياء فعلية.

أما العبارة الشهيرة «استثمر في العلاقات لا المعاملات»، فتتحول عند إزالة الزخرفة اللغوية إلى فكرة أبسط بكثير: لا تتصل بالناس فقط عندما تحتاج منهم خدمة.

وحتى الحديث المتكرر ضد مفهوم «التوازن بين العمل والحياة» يمكن أن يبدو، بعد نزع اللغة المؤسسية عنه، أقرب إلى اعتراف بأن صاحبه لا يملك حياة خارج العمل.

اقرأ أيضا: لينكدإن يتجسس عليك إلا إذا كنت تستخدم هذه المتصفحات