وظائف روسيا

شهدت منصات التواصل في السنوات الأخيرة طوفانا من عروض التوظيف وفرص العمل في روسيا برواتب مجزية، تنشرها صفحات روسية بالعربية وأخرى ضمن إعلانات ممولة تستهدف العاطلين عن العمل والباحثين عن العيش في بلد أفضل.

هذه الفرص التي تستهدف دولا مثل العراق وسوريا وحتى الجزائر ومصر ودول أخرى بها معدلات مرتفعة للبطالة، وهذه الظاهرة تستهدف أيضا دول أفريقيا جنوب الصحراء ودول جنوب شرق آسيا.

لكن ما وراء هذا الوهج الإعلاني الرخيص يكمن واقع أكثر ظلمة: شبكات تجنيد تستغل الفجوات القانونية والاقتصادية، وتقود كثيرين إلى جبهات القتال في حرب لا علاقة لهم بها، بعيدًا عن وعود العمل الراقية التي شوِّقتهم للرحيل.

الغالبية العظمى من إعلانات “فرص العمل في روسيا” التي تنتشر بالعربية لا تنتمي إلى شركات معروفة أو كيانات قانونية مسجلة، بل تمارس شكلًا من استدراج الباحثين عن عمل أو تحسين وضعهم المالي عبر عناوين مثل “راتب عالي + تأمين + إقامة + مسار للهجرة”.

وما أن يصل المسافر إلى روسيا عبر تأشيرة سياحية أو تصريح دراسة، حتى تتبدّل الأوراق، ويتحوّل إلى مجنّد في الجيش الروسي أو في صفوف مرتزقة يقاتلون في أوكرانيا تحت مسميات مختلفة.

هذه ليست مجرد ادعاءات على الشبكات الاجتماعية، بل تقارير صحافية ورسمية توثق حالات متعددة ومؤلمة، من بينها حالات عراقية ظهر أصحابها في فيديوهات وهم في الزي العسكري الروسي يناشدون الحكومات بالتدخل لإنقاذهم بعد أن وقعوا ضحية خدعة ما ووجدوا أنفسهم على خط الجبهة، غير مدرّبين وكثير منهم يتعرض للخطر بشكل مباشر.

الإحصاءات الرسمية بشأن عدد الأشخاص الذين جُندوا عبر هذه الشبكات ليست متوفرة بدقة من جهات دولية، إذ تعيق الطبيعة غير النظامية للتجنيد وتتداخل فيها عناصر الاحتيال والتهريب.

لكن مصادر متعددة تشير إلى انخراط آلاف من العراقيين في صفوف الجيش الروسي عبر هذه الآليات، رغم أن العدد الحقيقي قد يكون أصغر أو أكبر من التقديرات غير المؤكدة المتداولة محليًا.

ولا يقتصر ذلك على العراقيين. تقارير دولية تكشف أن روسيا لجأت إلى استقطاب أشخاص من دول متعددة في العالم، خصوصًا من إفريقيا والشرق الأوسط، عبر وعود عمل ورواتب عالية ليقاتلوا في حرب أوكرانيا، وهو ما يتم تحت غطاء “التطوع” لتجنّب قوانين ضد تجنيد المرتزقة.

في هذا السياق، أعلنت أجهزة الاستخبارات في كينيا أن أكثر من 1000 من مواطنيها جُندوا للقتال في صفوف روسيا في أوكرانيا بعد أن تم إغراؤهم بوظائف ورواتب مغرية، وأُرسلت بعضهم بالفعل إلى الجبهة، بينما تحاول السلطات استعادة آخرين.

أما على مستوى إفريقيا الأوسع، فقد ذكرت تقارير أن ما يزيد على 1700 شاب أفريقي من 36 دولة من بينهم نيجيريين وكينيين وغانيين يقاتلون إلى جانب القوات الروسية في أوكرانيا، وكثير منهم ضحايا خداع بوعد عمل.

هذه التحركات ليست معزولة، فحكومات مثل غانا أكدت مقتل عشرات من مواطنيها في الأراضي الأوكرانية، ما يثير نقاشًا حادًا حول استغلال الفقر والبطالة لتغذية آلة حرب ليس لها علاقة مباشرة بهذه الدول.

الأساس في هذه الظاهرة ليس عجزًا فنيًا أو نقصًا في القوة التقليدية لدى الجيش الروسي فحسب، بل تكاليف بشرية كبيرة تكبّدها في الحرب ضد أوكرانيا، وما ترتب عليها من خسائر جسيمة في صفوف قواتها النظامية.

تقارير متعددة، حتى من مراكز أبحاث غربية، تؤكد أن روسيا تواجه خسائر ضخمة في الأفراد وتحتاج بشكل مستمر إلى تعويض تلك الخسائر لمواصلة عملياتها العسكرية، وقد خسرت بالفعل أكثر من مليون قتيل وجريح في محاولة غزو أوكرانيا بالكامل.

في مواجهة هذا الضغط، أصبحت فكرة “تجنيد الأجانب” من خلال وعود مغرية أو حتى عبر الشبكات العنكبوتية للإعلانات والوسطاء جزءًا من آليات موسكو لتجديد صفوف الحرب.

بعض من هذه الشبكات لم تُخفِ أهدافها، وتستخدم مفردات مثل الفرص الدولية والعقود المغرية لجذب طموحات الباحثين عن عمل في دول تعاني من معدلات بطالة مرتفعة، وتحويلها إلى شباب على خطوط القتال.

المرحلة الأولى من الاحتيال تبدأ بوعد العمل، وغالبًا ما تنتهي بتسليم الوثائق، الأمر الذي يجعل الشخص المكلف غير قادر على العودة، ثم يُرسل إلى الجبهة، حتى قبل أن يفهم ما وقع فيه، ويجد نفسه في مقدمة الصفوف غير مدرب وغير محترف على القتال، وفي أغلب الأحيان يفقد حياته ولا تعرف أسرته بمصيره إلا بعد فوات الآوان.

وقد سلطت وزارة الخارجية الهندية الضوء على هذه المشكلة عندما نصحت المواطنين الهنود على “الابتعاد عن أي عرض للتجنيد في الجيش الروسي، لأنه طريق خطير”، حسبما قال المتحدث باسم الوزارة راندير جايسوال في بيان، ورد:

“تلقينا تقارير عن تجنيد مواطنين هنود مؤخرًا في الجيش الروسي. وقد سلّطت الحكومة الضوء على المخاطر الكامنة في هذا الإجراء في مناسبات عديدة خلال العام الماضي، وحذّرت المواطنين الهنود بناءً على ذلك. كما أثرنا هذه المسألة مع السلطات الروسية، في كل من دلهي وموسكو، مطالبين بوقف هذه الممارسة والإفراج عن مواطنينا. ونحن على تواصل أيضًا مع عائلات المواطنين الهنود المتضررين”.

وبينما استخدمت الهند نفوذها لإعادة الكثير من الهنود كما حدث عام 2024 حسب تقرير لشبكة بي بي سي وسعت إلى توعية شعبها من خطورة الوظائف في روسيا، فقد لجأت موسكو إلى استهداف الأفارقة والمواطنين من دول أقل أهمية على خريطة السياسية العالمية.