هل حميدان التركي مظلوم؟ قصة مجرم سعودي باختصار

وصل المواطن السعودي حميدان التركي إلى العاصمة الرياض، وتم استقباله استقبال الأبطال رغم أنه لم يشرف السعودية في أمريكا وبقي في سجونها ما يقارب 20 عاماً.

هذه العودة أثارت فرحة غامرة بين أفراد عائلته والعديد من المواطنين السعوديين، الذين عبروا عن سعادتهم عبر وسائل التواصل الإجتماعي، مقدمين التهاني لأسرته التي تحملت سنوات الإنتظار الطويلة.

لكن القضية، التي أثارت جدلاً واسعاً منذ بدايتها عام 2004، لا تزال تثير تساؤلات حول ما إذا كان حميدان التركي مظلوماً أم أن العدالة قد أخذت مجراها.

قصة حميدان التركي باختصار

حميدان التركي، مواطن سعودي ولد عام 1969 في محافظة رفحاء، سافر إلى الولايات المتحدة عام 1995 لإتمام دراساته العليا في علم اللغويات بجامعة ولاية كولورادو.

خلال إقامته في مدينة أورورا بولاية كولورادو، واجه اتهامات خطيرة في عام 2005 من خادمة إندونيسية كانت تعمل في منزله.

الخادمة ادعت أن التركي احتجزها في قبو غير صالح للسكن، منعها من السفر، صادر جواز سفرها، ودفع لها أجراً زهيداً (أقل من دولارين يومياً)، بالإضافة إلى اتهامات بالتحرش الجنسي المتكرر بها بين عامي 2000 و 2004.

في عام 2006، أدانت محكمة كولورادو التركي بـ12 تهمة، من بينها السجن الكاذب، الابتزاز، والاعتداء الجنسي باستخدام القوة، وحُكم عليه بالسجن لمدة 28 عاماً إلى المؤبد.

لاحقاً، في عام 2011، خُفض الحكم إلى 8 سنوات بسبب حسن سلوكه في السجن، مع إمكانية الإفراج المشروط.

ومع ذلك، بقي التركي في السجن حتى عام 2025 بسبب رفضه المستمر للمشاركة في برنامج إعادة تأهيل المجرمين الجنسيين في ولاية كولورادو، معتبراً أن متطلبات البرنامج، مثل مشاهدة صور نساء بملابس خفيفة أو الاعتراف بالجرائم، تتعارض مع معتقداته الدينية.

في عام 2025، توصل محاموه إلى اتفاق مع الادعاء لتعديل التهم المتعلقة بالاعتداء الجنسي إلى تهم أقل خطورة، مما سمح له بالاعتراف بالذنب في 11 تهمة محاولة الاتصال الجنسي غير القانوني باستخدام القوة، مع حكم بست سنوات لكل تهمة تُنفذ بالتزامن.

وبما أن التركي قضى بالفعل 19 عاماً في السجن، تم إطلاق سراحه وترحيله فوراً إلى المملكة العربية السعودية.

هل حميدان التركي مظلوم؟

قضية حميدان التركي أثارت جدلاً واسعاً حول ما إذا كان قد تعرض للظلم أم لا.

من جهة، يرى مؤيدوه، وخاصة في المملكة العربية السعودية، أن التركي كان ضحية لتحيز ضد المسلمين في الولايات المتحدة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. يشير هؤلاء إلى أن الحكم الأصلي (28 عاماً إلى المؤبد) كان قاسياً مقارنة بالتهم، خاصة أن القانون الأمريكي كان ينص على عقوبة تتراوح بين 4 إلى 12 عاماً لمثل هذه الجرائم، كما أشار محاموه إلى ثغرات قانونية في المحاكمة، مثل سوء فهم تعليمات هيئة المحلفين من قبل محامي الدفاع الأصليين، مما ساهم في إدانته بتهم أشد.

علاوة على ذلك، أثارت ظروف المحاكمة والمعاملة القاسية في السجن، بما في ذلك محاولة اغتيال مزعومة، تعاطفاً كبيراً مع التركي، تدخلت السفارة السعودية في القضية منذ بدايتها عام 2004، واستمرت في متابعة ملفه، مما عزز الرواية القائلة إن التركي كان هدفاً لتصرفات كيدية.

من جهة أخرى، يرى منتقدون أن التركي لم يكن مظلوماً، بل أدين بناءً على أدلة قدمتها الخادمة، التي وصفت ظروف عملها القاسية واعتداءات جنسية متكررة.

الإدعاء الأمريكي أكد أن التركي احتجز الخادمة في ظروف غير إنسانية واستغلها مادياً وجنسياً. تصريح المدعية العامة إيمي بادين بعد إطلاق سراحه، والذي وصفته بـ”المجرم المدان والمعتدي الجنسي”، يعكس وجهة النظر الأمريكية الرسمية التي ترى أن العدالة تحققت بحكم الإدانة.

لافت للانتباه أن الخادمة، التي كانت محور القضية، وُجدت مقتولة في مكان إقامتها قبل ساعات من عودتها إلى إندونيسيا، على الرغم من وجود حراسة أمنية مشددة، مما أثار شكوكاً حول ظروف وفاتها وأضاف تعقيداً إلى القضية.

السياق الاجتماعي والدولي

قضية التركي لم تكن مجرد قضية قانونية، بل تحولت إلى قضية ذات أبعاد سياسية ودبلوماسية.

أثارت إدانته غضباً في المملكة العربية السعودية، مما دفع وزارة الخارجية الأمريكية إلى إرسال المدعي العام في كولورادو آنذاك، جون ساذرز، إلى السعودية للقاء العائلة المالكة ومناقشة القضية.

كما أن رفض التركي المشاركة في برنامج إعادة التأهيل الجنسي في كولورادو، بناءً على أسباب دينية، أثار نقاشاً حول التوازن بين القوانين الأمريكية والحساسيات الثقافية والدينية.

في السعودية، حظي التركي بدعم واسع، حيث رأى الكثيرون أن قضيته تُظهر تحيزاً ضد المسلمين في سياق ما بعد 11 سبتمبر.

تعليقات على منصة إكس، مثل تلك التي وصفت القضية بأنها “صراع بعد 11 سبتمبر”، تعكس هذا الشعور. ومع ذلك، هناك أصوات، وإن كانت أقل، تعتبر الاحتفاء بعودته “عاراً”، مشيرة إلى إدانته كمجرم جنسي وعدم جواز تحويله إلى “بطل قومي” بناءً على هويته الدينية.