
بعد استقلال الجزائر عام 1962، اختار البلد الجديد في شمال أفريقيا، أن يتبنى نهجا مخالفا لما هو سائد في فرنسا الإستعمارية حينها، ونتحدث عن الإشتراكية التي تبناها مختلف العرب حينها كحركة يسارية تحررية تعادي القوى الإستعمارية الأوروبية.
كان هذا طبيعيا حينها إذ أن الإشتراكية هي التي جمعت مختلف الأحزاب التي تناضل ضد الإستعمار، إلا أن اختيار الجزائر النظام الديكتاتوري جعلها دولة اشتراكية ولم يكن هناك مجال للتحول إلى الجهة الأخرى دون ضغط شعبي.
بعد 25 عامًا من البيروقراطية المركزية وحكم الحزب الواحد تم تحدي كل ذلك من قبل أعمال الشغب في أكتوبر 1988، تم تفكيك التعاونيات الزراعية ورفعت الدولة القيود المفروضة على القطاع الخاص.
لكن رغم ذلك لا تزال الدولة هي التي توظف عدد كبير من الموظفين ولا يزال حينها وإلى الآن القطاع الخاص هشا وضعيفا.
أطلق الرئيس الراحل بومدين قبل تلك أعمال الشغب، مشروع تنموي خص به القطاع الزراعي، حيث تم توزيع الأراضي على الفلاحين والمزارعين، وتمت مصادرة الأملاك الخاصة للعائلات الغنية وحتى العصاميين الذين اشتروا العديد منها من قبل ولديهم أوراق تؤكد ملكيتها.
ورغم شعبيته في الجزائر إلا أن هناك الكثير من المعارضين للإشتراكية، وكان التيار الإسلامي أبرزهم وهو الذي يمثل اليمين.
توفي بومدين سنة 1978، وحاول خلفه الليبرالي الشاذلي بن جديد، ابعاد الجزائر عن الإشتراكية من خلال ارجاع الأراضي لأصحابها وإلغاء العديد من مشاريع بومدين الكبرى.
حاول الرئيس الجزائري التخلص من النظام الاشتراكي والانتقال إلى الليبرالية والتقرب نحو الغرب، إلا أنه بسبب تراكم الديون وانخفاض أسعار النفط وأزمة التضخم، شهدت البلاد احتجاجات ومطالبات بالحريات والإنتقال إلى التعددية.
تخلت الجزائر بعد أكتوبر 88 عن لقب الاشتراكية والأحادية الحزبية، وسمحت بتأسيس الأحزاب، وجاءت نتائج أول انتخابات بفوز الإسلاميين، لترفض الدولة العميقة النتيجة وتندلع الحرب الأهلية.
ورغم أن الجزائر ترفع شعار الرأسمالية في عهد بوتفليقة الذي أخرج البلاد من الحرب مع الإسلاميين، إلا أنها لم تكن كذلك بالضبط.
أصبحت هناك رأسمالية بالمعنى الجزائري والتي تطبق العديد من القيم التي ميزت الدول الإشتراكية مثل الحزب الحاكم الذي يفوز عادة في الانتخابات وتحكم الدولة في أدوات الإنتاج واحتكارها العديد من القطاعات ومنعها المنافسة فيها.
مثل بقية الدول التي تبنت بعض قيم الإشتراكية لدى الجزائر نظام الدعم للقمح والزيت والكهرباء والغاز وهو الذي كلفها في عام 2020 حوالي 17 مليار دولار، وهي ترغب حاليا في التخلص منه في الإصلاحات الجديدة.
ولا يتمتع الدينار الجزائري بمصداقية على عكس عملات نقدية جيدة مثل الدرهم المغربي والجنيه المصري، لهذا من السهل رؤيته ينهار ويصل لمستويات سيئة مقارنة مع الدولار الأمريكي.
حتى مع وجود بعض مظاهر الرأسمالية في هذا البلد، إلا أن هناك حالة من الفوضى والإستغلال وجماعات ضغط مقربة من النظام العسكري تحطم المنافسين من المحليين والأجانب.
ويكثر الحديث عن التوزيع العادل للثروات، وهناك محاولات من النظام من أجل التخلي عن بعض مميزات الرأسمالية المكتسبة لتعزيز قبضة السلطة وقدرتها على التدخل.
وتعد أزمات الزيت والخبز والحليب والقمح وحتى الكتب المدرسية، أزمات تشبه تلك التي حصلت قبل انهيار الإتحاد السوفياتي، وتشهد الجزائر العديد منها في مشاهد اعتاد عليها المواطن.
وتعد ضعف المنافسة الداخلية في مثل هذه القطاعات علامة أخرى فاضحة على أن الرأسمالية مجرد إشاعة في هذا البلد.
وتعد صناعة الهيدروكربونات (المحروقات)، التي تمثل 20% من إجمالي الناتج المحلي و41% من إيرادات الموازنة، و94% من إيرادات الصادرات، أساس اقتصاد الجزائر وهي مملوكة للدولة.
في عام 2020، قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إن البلاد ستسمح للقطاع الخاص بتأسيس بنوك وشركات نقل جوي وبحري للسلع والركاب من أجل تقليص النفقات.
ويظهر هذا القرار تأخرا كبيرا لهذا البلد في تبني الرأسمالية، مقارنة مع المغرب مثلا الذي نجد فيه أن العديد من المؤسسات البنكية الكبرى ليست ملكا للدولة بل هي من القطاع الخاص.
بعد كل هذه المعطيات، هل الجزائر دولة اشتراكية أم رأسمالية؟ الحقيقة أنها مزيج بين النظامين، لكن لا تزال الإشتراكية تطغى على النظام الإقتصادي الجزائري.
إقرأ أيضا:
الجزائر فرنسا: الواردات والصادرات والتبادل التجاري
صراع الجزائر مع صندوق النقد الدولي مضحك للغاية
الحرب على غلاء الأسعار في تونس المغرب الجزائر بسلاح المقاطعة
مصالح نيجيريا في اختيار أنبوب الغاز المغربي ومنافسه الجزائري
