الذهب

كان من المفترض، وفق القاموس التقليدي للأسواق، أن يشتعل الذهب مع الحرب على إيران، وأن يقفز كما يفعل عادة حين تهتز الجغرافيا ويختلط النفط بالصواريخ ويهرب المستثمرون من الخطر.

لكن ما حدث كان أقرب إلى صفعة باردة لكل من راهن على رد الفعل الكلاسيكي: الذهب هبط بقوة بدل أن يحلّق، ليفضح مرة أخرى أن الأسواق لا تتحرك دائمًا وفق الروايات السهلة، وأن “الملاذ الآمن” يمكن أن يتحول فجأة إلى أصل مرتبك يبيع الناس فيه الخوف بدل أن يشتروا به الطمأنينة.

تقارير حديثة تحدثت عن تراجع سعر الذهب بنحو 13% إلى 17% منذ اندلاع الحرب، بحسب نقطة القياس والتاريخ المستخدم، في واحدة من أكثر الحركات إثارة للاستغراب خلال الأزمة.

الذهب لم يتصرف كملاذ آمن

المفارقة التي أربكت المحللين أن أصولًا أخرى بدت أكثر تماسكا من المعدن الأصفر، فبينما تراجع S&P 500 بأكثر من 7% تقريبًا في ظل الحرب، وانخفض ناسداك بنحو 8%، كانت خسارة بيتكوين أقل بكثير في بعض الفترات، في حين ظهر الذهب وكأنه الحلقة الأضعف نفسيًا في لحظة كان يفترض أن تكون لحظته المثالية.

حتى دويتشه بنك ريسيرش وصف ضعف الذهب خلال حرب إيران بأنه ربما كان “أكثر التحركات غرابة” في الأسواق خلال هذه الأزمة.

المشكلة بدأت قبل الحرب

جزء كبير من القصة لا يتعلق بالحرب نفسها، بل بما سبقها. فالذهب كان قد عاش أصلًا فترة صعود جنونية خلال الشهور الماضية، حتى سجل قرب يناير مستوى قياسيًا اقترب من 5595 دولارًا للأوقية، قبل أن يتراجع لاحقًا إلى منطقة بين 4380 و4550 دولارًا تقريبًا.

بمعنى آخر، المعدن كان مرتفعًا أصلًا أكثر من اللازم، ومشحونًا بالمضاربات والرهانات والخوف المتراكم، ولذلك دخل الحرب وهو أصل مرهق سعريًا، لا أصلًا رخيصًا ينتظر شرارة الانفجار. وهذا ما جعل أي صدمة أو إعادة تسعير سببًا مباشرًا لجني أرباح عنيف.

من القمة إلى البيع.. كيف انقلب السحر على الساحر؟

حين يصعد أصل ما بسرعة مبالغ فيها، يصبح أكثر هشاشة حتى أمام الأخبار التي كان يفترض أن تدعمه، وهذا ما حدث هنا.

فالأستاذ كامبل هارفي من جامعة ديوك، الذي يدرس أسعار السلع، قال إن الذهب غالبًا ما يعطي عوائد متواضعة أو سلبية بعد بلوغ القمم التاريخية، وإن ما يراه “شاذًا” أصلًا ليس الهبوط الحالي بقدر ما هو الصعود المبالغ فيه الذي سبقه.

بكلمات أكثر وضوحًا، السوق لم يعاقب الذهب لأنه لم يعد ملاذًا آمنًا، بل لأنه كان أصلًا متخما بالصعود وجاهزًا للتصحيح بمجرد أن اصطدم الواقع بالتوقعات المفرطة.

السندات سرقت المشهد من الذهب

أحد أهم الأسباب وراء خيبة الذهب كان الصعود المتزامن في عوائد السندات الأمريكية، فالعائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات ارتفع إلى ما فوق 4.4% تقريبًا، بعد أن كان أقل من ذلك بنحو واضح قبل أسابيع.

وهذه نقطة شديدة الأهمية: الذهب لا يدفع فائدة، بينما السندات تمنح المستثمر عائدًا سنويًا واضحًا، لذلك، حين ترتفع العوائد، يصبح الاحتفاظ بالذهب أقل جاذبية نسبيًا، خصوصًا في بيئة يخاف فيها السوق من تضخم تقوده الحرب وارتفاع النفط.

النفط رفع الخوف.. لكن ضد الذهب

الحرب على إيران رفعت أسعار النفط إلى ما فوق 100 دولار للبرميل، وكان من المفترض أن يدعم ذلك الذهب من زاوية الخوف الجيوسياسي، لكن النفط في الوقت نفسه غذّى مخاوف التضخم، ما جعل الأسواق تعتقد أن الاحتياطي الفيدرالي قد يُبقي الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

وبما أن الفائدة المرتفعة تضر الذهب، فإن الحرب دعمت المعدن من باب الخوف، لكنها ضربته من باب الفائدة، وفي النهاية، انتصر العامل الذي تؤمن به الأسواق أكثر: العائد النقدي الحقيقي.

الذهب ليس قديس الأزمات

صحيح أن دراسات طويلة المدى، منها تحليل شارك في تأليفه هارفي، تشير إلى أن الذهب ارتفع خلال ثماني موجات بيع كبرى من أصل 11 منذ أواخر الثمانينيات، لكن هذا لا يعني أنه يتحرك بالاتجاه نفسه في كل أزمة، ولا أنه يلتزم النص في كل حرب.

حتى الباحثون الذين يدافعون عن سمعته يعترفون بأنه ملاذ آمن غير منتظم أحيانًا، وأنه قد يتحرك بعنف ضد التوقعات في الأجل القصير.

سبب البيع القياسي للذهب في حرب إيران

خلال الأسابيع الأولى من الأزمات الكبرى، لا يهرب المستثمرون دائمًا إلى “الأجمل” نظريًا، بل إلى الأكثر سيولة والأوضح تسعيرًا، وهذا ما يفسر لماذا شهدت صناديق الذهب المدعومة بالتداول خروج أموال بمليارات الدولارات خلال الحرب، في وقت كانت الأسواق تبحث فيه عن تموضع سريع أمام التضخم والفائدة والتقلب.

بعض المحللين شبّهوا ما حدث بسلوك الأسواق في بداية غزو أوكرانيا عام 2022: صدمة أولى، ثم إعادة تسعير، ثم بيع للأصول التي ارتفعت بشدة قبل الأزمة.

رغم هذا السقوط المفاجئ، لم يفقد الذهب كل شيء. فحتى بعد الهبوط، ما تزال أسعاره أعلى بنحو 50% تقريبًا من مستواها قبل عام، ومرتفعة بنحو 160% خلال خمس سنوات، بحسب التقديرات الواردة في التغطيات الأخيرة.

أفضل منصات تداول الذهب

اكسنيسإبدأ الآن مراجعة اكسنيس
منصة اكس امإبدأ الآن مراجعة XM
منصة FXTMإبدأ الآن شراء وبيع الأسهم الأمريكية
منصة Avatradeإبدأ الآن مراجعة AvaTrade