فؤاد الهاشم

لا تُختبر حرية التعبير عندما يكتب الكاتب ما يرضي الجمهور، بل عندما يكتب ما يثير غضبه، وقد نجح الكاتب الكويتي فؤاد الهاشم في إثارة غضب المصريين بمقال “كلب إلا ربع لكل مواطن” بل وفضح هشاشة المجتمع المصري وحساسيته الشديدة واستبداده أيضا.

إن الضجة التي انفجرت بعد مقال الكاتب الكويتي فؤاد الهاشم ليست مجرد سجال إعلامي عابر، بل امتحان حقيقي لفكرة الصحافة الحرة في عالم عربي يريد من الكاتب أن يكون بوقًا، لا قلمًا، وأن يجامل الشعوب كما يجامل الحكومات، وأن يكرر ما يود الرأي العام سماعه، لا ما يراه هو جديرًا بالقول.

لا أحد ملزمًا بأن يحب ما كتبه فؤاد الهاشم، ولا أحد مضطرًا إلى اعتباره نصًا منصفًا أو رصينًا أو حتى مهذبًا، المقال كان قاسيًا، ساخرًا، فظًا في بعض مواضعه، وتضمن عبارات جارحة وادعاءات كان يمكن الرد عليها بقسوة مماثلة أو بتفنيد بارد أكثر إيلامًا.

لكن بين رفض المقال والمطالبة بملاحقة صاحبه قضائيًا مسافة حضارية كاملة، هذه المسافة هي التي سقط فيها كثيرون، حين تحول الغضب من نص صحافي إلى دعوات للعقاب القانوني والرد الرسمي والتأديب المؤسسي، وكأن الكاتب ارتكب جريمة حرب لا مقالة استفزازية.

وقد وصل الأمر إلى بيان رسمي من وزارة الدولة للإعلام في مصر وصف المقال بأنه “ساقط وبذيء”، كما أعلنت نقابة الصحفيين المصرية إدانته ودعت إلى تفعيل المواثيق المهنية، فيما تحدثت تقارير عن إحالة الموضوع إلى النائب العام في الكويت بعد تنسيق رسمي بين القاهرة والكويت.

إن التهديد بالقضاء في مواجهة مقال صحافي علامة ضعف لا علامة قوة، الدولة الواثقة من نفسها لا تهتز من نص، والشعب الواثق من نفسه لا يطلب من النيابة أن تنتقم له من كاتب.

وإذا كان مقال واحد، مهما كان مستفزًا، قادرًا على استدعاء هذا الكم من البيانات والتهديدات والدعوات للعقاب، فالمشكلة ليست في الكاتب وحده، بل في المناخ الثقافي الذي لا يزال يرى الكلمة خطرًا يستوجب التأديب، لا رأيًا يستوجب الرد.

ثم إن هذا المقال المستفز جاء كرد من الكاتب الكويتي على حملة مصرية شعبية ممنهجة على منصات التواصل الاجتماعي للشماتة في دول الخليج التي تتعرض للعدوان الإيراني، تلك الحملة التي شارك فيها أيضا أبواق محسوبون على السلطة المصرية والذين اظهروا تعاطفهم مع إيران على حساب الخليج.

هذا لا يبرر مقاله، لكنه يفسره، والتفسير ضروري إذا أردنا أن نفهم لماذا ينبغي الدفاع عن حقه في الكتابة حتى عندما نختلف معه، فالصحافة الحرة لا تعني حماية المقالات اللطيفة فقط، بل حماية المقالات الخشنة، الساخرة، المستفزة، والمبالغِة أحيانًا، ما دامت لا تتحول إلى تحريض مباشر على العنف.

الحرية التي تتوقف عند حدود الذوق العام ليست حرية، بل رخصة مشروطة برضا الجمهور، والجمهور العربي للأسف، يريد حرية التعبير فقط عندما تكون في خدمته، ثم يتحول إلى رقيب ومحكمة وجلاد عندما تنقلب عليه.

المفارقة أن الذين يطالبون اليوم بمحاسبة فؤاد الهاشم قانونيًا هم أنفسهم غالبًا من يشتكون ليل نهار في دولتهم، ومن سجن الكتّاب، ومن قمع الرأي، ومن تحكم الدولة في المجال العام.

لكن ما إن يكتب كاتب عربي نصًا جارحًا بحق شعبهم أو بلدهم، حتى يتبين أنهم مجرد مجموعة من المستبدين والدكتاتوريين الذين لا يتقبلون الرأي الآخر.

والأخطر في الهجوم على فؤاد الهاشم هو أن المطالبة بإسكات الكاتب لا تضر الكاتب وحده بل تضر حرية الصحافة نفسها.

لأن الرسالة التي تُرسل إلى كل كاتب عربي بعد هذا النوع من الحملات واضحة وخبيثة: اكتب ما يرضي الناس، لا ما يزعجهم؛ جامل، لا تصدم؛ ردد، لا تبتكر؛ نافق، ولا تقل الحقيقة كما تراها.

وهكذا تتحول الصحافة إلى فرع من فروع العلاقات العامة، ويصبح الكاتب موظفًا في جهاز التسكين النفسي للجماهير.

أما الكاتب الحقيقي، الذي يغامر بلغته، ويبالغ أحيانًا، ويستفز أحيانًا، ويخطئ أحيانًا، ويصيب أحيانًا، فيُراد له أن يُؤدَّب حتى يتعلم بأن يكون مجرد ببغاء يردد نفس رواية القطيع.

ثم إن الرد على نص مثل نص فؤاد الهاشم لا يحتاج إلى دولة ولا نقابة ولا نيابة، كان يمكن الرد عليه بطريقة أكثر نبلًا وأقسى أثرًا: بمقال أفضل، بلغة أرقى، وبوقائع أدق، وبسخرية أذكى، وبثقة لا تستجدي الحماية القانونية.

أما حين يستدعى القانون إلى معركة رأي، فإن الجميع يخسرون: الكاتب، والمهنة، وسمعة البلد نفسه، لأن البلد الذي يبدو وكأنه لا يحتمل مقالًا ساخرًا يبدو، في نظر العالم، بلدًا هشًّا لا قويًا.

من حق الكاتب فؤاد الهاشم من أن يكتب ما يشاء، كما من حق الناس أن يسخروا منه، ويختلفوا معه، ويهاجموه بالكلمات، ويكشفوا مبالغاته، ويصفوا مقاله بأنه رديء أو متعالٍ أو غير منصف، هذه كلها حقوق مشروعة لكن التهديد بالملاحقة القضائية بسبب مقال رأي هو انحدار خطير إلى منطق الوصاية والعقاب.

وإذا قبلنا هذا المنطق اليوم لأن المقال أزعج المصريين، فسنقبله غدًا حين يزعج مقال آخر الكويتيين أو السعوديين أو المغاربة أو أي جمهور آخر، وعندها لن تبقى صحافة عربية أصلًا، بل مجرد حقل ألغام من المحظورات العاطفية.