تعويم العملات الناشئة

في ورقة شهيرة بعنوان «الخوف من التعويم» نُشرت عام 2002، يشرح غييرمو كالفو وكارمن راينهارت كيف أن الخوف الغريزي من تقلبات سعر الصرف يمنع الاقتصادات الناشئة من السماح لعملاتها بالتعويم بحرية.

لقد تغير الكثير منذ ذلك الحين، فمعظم الاقتصادات الناشئة اليوم باتت قريبة من اعتماد أسعار صرف عائمة بحرية، مع تقييد التدخل فقط في حالات التقلبات الحادة مثل جائحة كورونا.

مع ذلك، لا تزال هناك بعض الاستثناءات البارزة، الأرجنتين مثال واضح في أمريكا اللاتينية، أما الصين، فقد عادت تدريجيًا نحو ربط عملتها بالدولار بعد أن تبنت مزيدًا من المرونة في سعر الصرف قبل أكثر من عقد، وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كانت مصر أبرز من يتمسك بنظام الربط.

لقد كان تمسك مصر بربط الجنيه بالدولار مصدرًا دائمًا للمشكلات، فالصدمات العالمية تتكرر، وغالبًا ما تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، ومصر مستورد كبير لكليهما.

في الماضي، كانت القاهرة تقاوم ضغوط انخفاض بعد ارتفاع الدولار إلى 54 جنيهاً.. ماذا ينتظر المصريين؟، متمسكة بربطها بالدولار إلى أن يصبح استنزاف احتياطات البنك المركزي غير قابل للاستمرار، وعندها كانت تحدث تخفيضات حادة ومفاجئة في قيمة العملة، تقود إلى ركود اقتصادي وسنوات من المعاناة.

لكن المنشور الذي نُشر أمس أشار إلى أن مصر كسرت هذا النمط هذه المرة، فقد سمحت للجنيه بالانخفاض بشكل حاد ومبكر أمام الدولار، متجنبة الاضطرابات التي كانت تندلع لاحقًا في المراحل المتقدمة من الأزمات السابقة، وهذا أمر جدير بالإشادة للغاية.

صحيح أن خفض قيمة العملة يحمل كلفة سياسية، إذ يؤدي على المدى القصير إلى زيادة الضغوط التضخمية بسبب ارتفاع أسعار الواردات، لكنه يظل أفضل بكثير من التخفيضات المفاجئة والعنيفة التي عانت منها مصر في السابق، ولهذا، أود توجيه إشادة كبيرة لمصر وحكومتها، إنهم يتخذون القرار الصحيح.

تُظهر الرسوم البيانية أعلاه مدى استثنائية الحالة المصرية، فتركيا لا تزال تقاوم ضغوط انخفاض العملة، بل قامت ببيع جزء من احتياطاتها من الذهب وإجراء عمليات مقايضة لتعزيز احتياطاتها من النقد الأجنبي، أما باكستان، فهي الأخرى لا تزال متمسكة بربط عملتها بالدولار.

ومن بين الدول المستوردة للطاقة في الرسوم، تُعد الهند الدولة الوحيدة التي سمحت لعملتها بالانخفاض، رغم أنها تاريخيًا أقل خوفًا من التعويم مقارنة بمصر أو الأرجنتين، ومن اللافت حقًا أن مصر تمكنت من كسر هذا النمط التقليدي في مواجهة هذه الصدمة.

المقال بقلم روبن ج. بروكس زميل أول في معهد بروكينغز، ورئيس اقتصادي سابق في معهد التمويل الدولي، ورئيس استراتيجيات العملات الأجنبية السابق في Goldman Sachs.