
يُعدّ موسم الرياض، الذي يُشرف عليه المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه في المملكة العربية السعودية، من أبرز الأحداث الترفيهية في المنطقة العربية.
منذ انطلاقته الأولى، نجح الموسم في استقطاب ملايين الزوار من داخل المملكة وخارجها، بفضل فعالياته المتنوعة التي تشمل الحفلات الغنائية، العروض المسرحية، والأحداث الرياضية العالمية.
لكن الإعلان الأخير لتركي آل الشيخ عن الاعتماد شبه الكامل على الفنانين والموسيقيين السعوديين والخليجيين، مع إدراج محدود لمسرحيات سورية وعالمية، أثار جدلاً واسعاً، خاصة في مصر، حيث رأى البعض أن هذا القرار يمثل استبعاداً متعمداً للفن المصري، بل وقيل إنه خطوة “انتقامية” من آل الشيخ رداً على تصريحات فنانين مصريين بارزين مثل محمد صبحي، وعلى استياء الجمهور المصري من الصعود السعودي في المجال الترفيهي.
في هذا المقال، سنستعرض دوافع هذا القرار، وأسباب الجدل المثار حوله، وما إذا كان فعلاً يعكس “عقوبة” موجهة للفن المصري، أم أنه جزء من استراتيجية أوسع لتعزيز الهوية الثقافية السعودية والخليجية.
تركيز على الهوية المحلية السعودية
أعلن تركي آل الشيخ عبر منشور على صفحته الرسمية على “فيسبوك” أن موسم الرياض القادم سيعتمد بشكل شبه كامل على العازفين والموسيقيين السعوديين والخليجيين في الحفلات الغنائية، مع التركيز على المسرحيات السعودية والخليجية، وإدراج محدود لمسرحيات سورية وعالمية.
هذا الإعلان جاء في سياق يعكس رؤية المملكة لتعزيز الهوية الثقافية المحلية، حيث تسعى السعودية من خلال رؤية 2030 إلى بناء صناعة ترفيهية محلية قوية قادرة على المنافسة عالمياً.
لم يكن هذا التوجه مفاجئاً تماماً، فقد أشار آل الشيخ في مناسبات سابقة إلى أن موسم الرياض يهدف إلى إبراز المواهب السعودية والخليجية، مع استقطاب نجوم عالميين لإضفاء طابع عالمي على الفعاليات.
ومع ذلك، فإن الإعلان الأخير أثار ردود فعل متباينة، خاصة في مصر، التي لطالما كانت رائدة في المجال الفني والثقافي في العالم العربي.
ردود الفعل المصرية: استياء واتهامات بالإستبعاد
أثار قرار تركي آل الشيخ استياء واسعاً بين النشطاء والجمهور المصري، الذين اعتبروا أن استبعاد الفنانين المصريين من المشاركة في موسم الرياض يمثل تهميشاً للفن المصري، الذي يُعدّ ركيزة أساسية في الثقافة العربية.
رأى البعض أن هذا القرار يعكس محاولة لتقليص النفوذ الفني المصري في المنطقة، خاصة في ظل الصعود اللافت للسعودية كمركز ترفيهي وثقافي جديد.
تفاقم هذا الشعور نتيجة تصريحات سابقة أدلى بها فنانون مصريون، أبرزهم الفنان الكبير محمد صبحي، الذي أثار جدلاً عام 2022 عندما رفض عرضاً بقيمة 4 ملايين دولار لتقديم مسرحيته “خيبتنا” في موسم الرياض، معتبراً أن الفن لا يجب أن يُقدم تحت شعار “الترفيه”، وأنه يفضل العمل في بلده حتى لو كان على مسرح في الصحراء.
هذه التصريحات أثارت ردود فعل غاضبة من تركي آل الشيخ، الذي وصف صبحي بـ”المشخصاتي”، متسائلاً عن مصداقية العرض المالي المزعوم، بل وألمح إلى أن صبحي قد يكون بحاجة إلى “فحص قواه العقلية”.
لم تقتصر الانتقادات على تصريحات صبحي، بل امتدت إلى استياء عام في الأوساط المصرية من تحول السعودية إلى “قبلة الفن العربي”، كما وصفها البعض.
تصريحات فنانين مثل حسن الرداد، الذي أعرب عن رغبته في العيش في الرياض لكونها “ملتقى الفن”، أثارت جدلاً إضافياً، حيث اعتبرها البعض إساءة للريادة الفنية المصرية.
هل قرار تركي آل الشيخ انتقامي؟
السؤال الذي يطرح نفسه: هل قرار تركي آل الشيخ بالتركيز على الفنانين السعوديين والخليجيين هو فعلاً خطوة “انتقامية” رداً على التصريحات المصرية، أم أنه يعكس استراتيجية ثقافية مدروسة؟
الدافع الثقافي والاقتصادي
من وجهة نظر موضوعية، يبدو أن القرار يتماشى مع أهداف رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى بناء صناعة ترفيهية محلية مستدامة. من خلال التركيز على المواهب السعودية والخليجية، تسعى المملكة إلى تعزيز الهوية الثقافية المحلية، وتشجيع الإبداع لدى الشباب السعودي، وتقليل الاعتماد على المواهب الأجنبية، بما في ذلك المصرية.
هذا التوجه يتماشى مع استثمارات السعودية الضخمة في البنية التحتية الترفيهية، مثل منطقتي “بوليفارد سيتي” و”بوليفارد وورلد”، التي أصبحتا وجهتين عالميتين.
إضافة إلى ذلك، فإن إدراج مسرحيات سورية وعالمية يعكس رغبة المملكة في تقديم محتوى متنوع يجذب جمهوراً دولياً، مع الحفاظ على طابع إقليمي قوي.
التركيز على الفن السوري، على سبيل المثال، قد يكون محاولة لإحياء التراث الدرامي السوري الذي عانى من تراجع بسبب الأوضاع السياسية في سوريا.
الخلاف مع محمد صبحي
لا يمكن إنكار أن الخلاف بين تركي آل الشيخ ومحمد صبحي ألقى بظلاله على تفسير القرار، تصريحات صبحي، التي اعتبرت من البعض إساءة للمملكة، أثارت ردود فعل حادة، خاصة من آل الشيخ الذي عُرف بحساسيته تجاه الانتقادات الموجهة للمشروع الترفيهي السعودي.
ومع ذلك، فإن ربط قرار استبعاد الفنانين المصريين مباشرة بهذا الخلاف قد يكون تبسيطاً للأمور، فالقرار يبدو جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز المواهب المحلية، وليس بالضرورة رد فعل على تصريحات فردية.
المنافسة الثقافية بين مصر والسعودية
لا يمكن تجاهل السياق الأوسع للمنافسة الثقافية بين مصر والسعودية، لطالما كانت مصر، بتاريخها الفني العريق، مركز الإنتاج الثقافي في العالم العربي، حيث احتضنت القاهرة نجوماً من مختلف الدول العربية، وقدمت أعمالاً سينمائية ومسرحية وتلفزيونية شكلت الوجدان العربي.
في المقابل، تسعى السعودية من خلال موسم الرياض إلى إعادة تشكيل هذا المشهد، وتحويل الرياض إلى “عاصمة الفن العربي”، كما وصفها البعض.
هذا التحول أثار حساسيات في الأوساط المصرية، التي ترى أن الفن المصري يواجه تهميشاً متعمداً لصالح صعود سعودي مدعوم بموارد مالية ضخمة.
انتقام آل الشيخ من الحقد المصري
لا يخفى على أحد أن هناك صراع في منصات التواصل الاجتماعي متصاعد في السنوات الأخيرة وأصبح ذات طابع عنيف للغاية بين المصريين والسعوديين، حيث الطرف الأول يسخر باستمرار من إنجازات الطرف الثاني.
يفتخر المصريين فقط بالماضي من بناء الأهرامات والإنجازات التي حققها أجدادهم في الماضي، بينما حاضرهم سيء للغاية وهو في أضعف حالاتهم مع حشرهم للدين في كل شيء وتزايد القمع.
كما أن موقف غالبية الشعب المصري على منصات التواصل في الحرب الإيرانية الإسرائيلية كان سيئا للغاية، حيث أيدو ضرب قطر إضافة إلى الدعوة نحو ضرب محطات تحلية المياه في الخليج لتعطيش شعوبها والمقيمين هناك من المصريين أنفسهم وبقية الجاليات.
ويبدو أن قرار تركي آل الشيخ بني على معطيات عديدة منها هذا المعطى ما يعد ردا ستأثر به سلبا الفنانين والمبدعين المصريين الذين وجدوا في الصحوة السعودية الترفيهية فرصة لتحقيق مكاسب أعلى وتقديم ابداعات أكثر شجاعة مما يمكنهم فعله في مصر حيث تتراجع الحريات ويتصاعد الخطاب السلفي المتشدد.
