القرآن الكريم وخرافة تحريف التوراة والإنجيل

القرآن الكريم وخرافة تحريف التوراة والإنجيل

لطالما أخبرنا رجال الدين المسلمين وحتى آباءنا والمربيون عن القرآن الكريم باعتباره الصحيح الوحيد، وتسللت إلى عقولنا احدى أكبر الخرافات المحركة للكراهية اتجاه المسيحيين واليهود، ألا وهي خرافة تحريف التوراة والإنجيل.

واليوم مع إعادة قراءة القرآن بالعقل ومن منظور علمي ومنطقي، تبدو هذه مجرد خرافة أخرى، ابتدعها هؤلاء الذين يقدسون الأشخاص ويريدون منا التمسك بالسلف ونتركهم يفكرون لنا.

يزخر القرآن بالآيات القرآنية التي تؤكد على شرعية التوراة والإنجيل، مع التأكيد على أن التلاعب يحدث على مستوى الفهم والتأويل واستخدام النصوص الدينية المقدسة في غير محلها، وهي لعبة مارسها أيضا شيوخ السلف من أجل قمع العقول أو تزيين الإستبداد السياسي والديني.

والبداية من سورة المائدة التي جاء فيها: “إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ” (44).

الوصف الذي أطلقه الله على التوراة هو نفسه الذي أطلقه على القرآن نفسه بقوله تعالى في سورة البقرة: “شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ”.

لو كان الإنجيل محرفا لما جاء مصدقا لما بين يديه وهو ما أكده تعالى في سورة المائدة: “وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46)”.

تستمر الآيات القرآنية وفي نفس السورة لتؤكد ضرورة الحكم بالإنجيل بالنسبة لأهله والمؤمنين به من خلال قوله تعالى: “وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)”.

أكثر من ذلك هو أن هذه الآيات الموجودة في نفس السورة وبنفس الموضع أيضا، تشير إلى أبعد من ذلك، إلى أن الإختلاف الديني سيستمر والبطولة الحقيقية هو التسابق إلى الخير، ويوم القيامة سيوضح الله سر هذا الإختلاف الديني والذي لا يختلف كثيرا عن اختلاف الألسن والأجناس وألوان البشرة.

يقول الله عزو وجل في هذه الآيات الواضحات: “وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47) وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)”.

مرة أخرى في نفس سورة المائدة المباركة، يقول تعالى: “قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۖ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)”.

هل منطقي أن يطلب الله من أهل الكتاب العودة إلى التوراة والإنجيل والحكم بما فيها إن كان محرفين وكان القرآن الكريم الكتاب الوحيد المعترف به من الخالق؟

إذا كان الحال كما يقول رجال الدين بأن تلك الكتب محرفة تحريفا جزئيا أو حتى كاملا، لماذا يطلب الله الحكم بما فيهما؟ هل يريد تضليل المسلمين؟

أكثر من ذلك، قال تعالى في سورة يونس: “فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ ۚ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94)”، من هم الذين يقرؤون الكتاب من قبل النبي؟ إنهم اليهود والمسيحيون، فهل يستقي النبي محمد تعليمه الديني من اصحاب الكتب المحرفة؟

ثم عندما أشار الله إلى التحريف والتلاعب بالكتب الدينية أكد على أن ذلك ممارسة فريق منهم وأيضا كان التلاعب لفظيا وتأويليا وليس في النصوص الأصلية وهذا ما أكده في سورة آل عمران: “وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)”.

ذهب بعض المفسرون للقول أن بعض اليهود حينها كانوا يكتبون بعض الآيات والنصوص الدينية التي يبتدعونها وذلك في قراطيس ويبيعونها للمسلمين في المدينة المنورة، إذ لا شك أن منهم حاقدون وظهور ديانة جديدة قد استفزهم، والحق أن هذا حال الكثير من رجال الدين الذين ينكرون أي شيء جديد أو مخالف لفهمهم ويهاجمون الغير ويستخدمون الآيات والنصوص الدينية لتبيان أنهم على حق ولو على حساب الدين نفسه.

وكما هناك متطرفون من اليهود والمسيحيين فهناك متطرفون من المسلمين أيضا، وكل هؤلاء يحاولون إيجاد طرق وتبريرات من أجل اقصاء الآخر، وهذه المشكلة جزء من أزمة صراع الديانات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

إقرأ أيضا:

موقف الإسلام والمسيحية واليهودية من الذكاء الإصطناعي

سر نجاح كتاب الأمير وكيف غير السياسة للأبد؟

تأثير الماسونية على تاريخ إيران الحديث

محمد الفايد: البطل المغربي الذي زلزل الأصنام الوهابية

التنويريون نعمة العصر وسر النهضة الحديثة

مشكلة الكنيسة المسيحية مع الماسونية ولماذا يحظرها الكاثوليك؟

اشترك في قناة مجلة أمناي على تيليجرام بالضغط هنا.

تابعنا على جوجل نيوز 

تابعنا على فيسبوك 

تابعنا على اكس (تويتر سابقا)