
في عالم السياسة السورية، حيث تتحول الثورات إلى مسرحيات هزلية وتُعاد كتابة التاريخ بقلم من حبر الدماء المجففة، يبرز اسم يجمع بين الرعب والضحك في آن: عبد الرحمن السرحان، العميد الجديد في وزارة الدفاع السورية، رئيس هيئة التدريب برتبة نجمة ذهبية لامعة.
لكن انتظر، هذا ليس مجرد ضابط عادي يتدرب على الوقوف في الصفوف، بل هو الإعجاز الحي: أبو عاصم الغوطة، الأمير السابق لجبهة النصرة في الغوطة الشرقية، الذي انتقل بعصا سحرية من كهوف الإرهاب إلى مكاتب الدفاع الرسمية.
تخيل لو أن هوليوود قررت إنتاج تكملة لفيلم “الديكتاتور” لساشا بارون كوهين عام ألفين وعشرة عشرين، لما وجدت بطلاً أفضل من هذا الرجل الذي يرتدي اللحية الطويلة في صورة الإرهابي، ثم يختصرها قليلاً ويضع نظارات شمسية سوداء ليصبح الجنرال الذي يخطف الأضواء في اجتماعات الجامعة العربية.
هل هذا تحول أم تجديد مكياج؟ في سوريا الجديدة، بعد سقوط الأسد وصعود الجولاني، يبدو أن الديمقراطية تعني منح الإرهابيين رتباً عسكرية، في إعادة تلميع للإرهاب الإسلامي.
دعونا نعود إلى الجذور، أو على الأقل إلى الجذور التي لم تُحرق بعد في حرائق الحرب السورية. أبو عاصم الغوطة، المولود في بلدة العبادة بالغوطة الشرقية، كان قبل 2011 عاملاً في ورشات البناء، ينقل الخرسانة والكياس الثقيلة، ثم انضم إلى صفوف الثورة المسلحة ليصبح أميراً لجبهة النصرة، تلك الجماعة التي صنفتها الأمم المتحدة إرهابية عام 2013.
كان مسؤولاً عن عمليات في دمشق والغوطة، يُتهم ببناء مجمع بوابة الشمال في إدلب، وهو يرتدي العمامة السوداء واللحية المتدلية كرمز للجهاد.
صورته في ذلك الزمن تذكر بأفلام الرعب الإسلامية المتطرفة: عيون حادة، فم مشدود، ونظرة تقول “سأقطع رأسك قبل أن تشرب قهوتك”، ثم، في غمضة عين – أو ربما بعصا سحرية من تركيا أو قطر – يتحول إلى العميد عبد الرحمن السرحان، مدير هيئة التدريب في وزارة الدفاع السورية الجديدة.
اليوم يمثل هذا الرجل سوريا رسمياً في الدورة الثانية والعشرين لهيئات التدريب بالجامعة العربية في القاهرة، يجلس خلف الطاولة مع زجاجات مياه “بيبانا” وأعلام سورية خضراء، مرتدياً الزي العسكري الأخضر مع الكتفين المزينين بالنجوم الذهبية، ونظارات شمسية سوداء تجعله يشبه تماماً الجنرال ألايدي من فيلم “الديكتاتور”، ذلك الديكتاتور المهرج الشهير.
رغم أن الصورة المتداولة له وهو يرتدي النظارات السوداء في اجتماع رسمي أثارت موجة من المقارنات مع ساشا بارون كوهين، الذي لعب دور الديكتاتور المتوحش في فيلم الديكتاتور (2012) إلا أن السخرية لا تتعلق فقط بالمظهر بل في السياق السياسي السوري نفسه.
بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وصعود هيئة تحرير الشام بقيادة أبو محمد الجولاني إلى السلطة، أصبحت سوريا دولة “جديدة” حيث يُغفر للإرهابيين إذا أعلنوا توبتهم وارتدوا الزي الرسمي.
السرحان، الذي كان يقاتل تحت راية النصرة حتى عام 2018، يُعين الآن لتدريب الجيش السوري الجديد، كأنه يُدرِّب الجنود على كيفية التحول من مقاتلين إرهابيين إلى ضباط ملتزمين.
تخيل المنهج الدراسي: الدرس الأول، “كيف تقطع رأساً دون أن يلاحظ الإعلام الدولي”، والثاني، “الانتقال من الكهوف إلى المكاتب: دليل المبتدئين في غسيل السيرة الذاتية”.
لكن الضحك يتحول إلى مرارة عندما ننظر إلى المنشورات المتداولة على منصات التواصل، حيث يُعبر السوريون عن غضبهم والسخرية المرة.
في هذا الصدد تقول ياسمين الخطيب، الصحفية المصرية: “الإرهابي الداعشي أبو عاصم الغوطة، أصبح اليوم العميد عبد الرحمن السرحان، بعدما انتقل بعصا سحرية من جبهة النصرة إلى وزارة الدفاع السورية! إن كان مصير سوريا بين أيدي هؤلاء، فسلام على سوريا!”
في السياسة السورية الجديدة، يُصبح هذا التحول نموذجاً للتسامح، حيث يُغفر لمن قاتل تحت راية القاعدة إذا أعلن ولاءه للجولاني الذي غير اسمه إلى الشرع لكن السؤال يبقى: هل هذا تدريب على الدفاع عن الوطن، أم تدريب على كيفية الدفاع عن الماضي الإرهابي؟
